كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ولم يَكْفِ هؤلاء المساكين الخفافيشَ، لم يَكْفِهِمُ الإعراضُ عن القرآنِ، وتركُه وراءَ ظهورهم، وتفضيلُ آراءِ الكفرةِ الفجرةِ عليه، لم يَكْفِهِمْ ذلك أن طَعَنُوا فيه، وَزَعَمُوا أن بعضَ تشاريعِه التي نَظَّمَهَا اللَّهُ وَشَرَّعَهَا أنها ليست عادلةً - والعياذُ بالله - وَمَنْ زَعَمَ هذا فقد طَعَنَ في حكمةِ اللَّهِ، وَكَفَرَ بالله كُفْرًا بوَاحًا.
ترى الجهلةَ الملاحدةَ الذين صَبَغَهُمُ الإفرنجُ كما يشاؤون يقولونَ: كيفَ يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ ميراثَ المرأةِ أقلَّ من ميراثِ الرجلِ وعينُ القرابةِ التي يُدْلِي بها الرجلُ هي عينُ القرابةِ التي تُدْلِي بها المرأةُ، فكيف يكونُ نَفْسُ ما يُدْلِي به الرجلُ هو ما تُدْلِي به المرأةُ ثم يُفَضِّلُهُ عليها؟ (¬١).
وَاللَّهُ (جل وعلا) يعلمُ أن هذا سَيَضِلُّ به قومٌ، وأن مَنْ زعم أن تفضيلَ الرجلِ على المرأةِ في الميراثِ ليس بحكمةٍ ولا صوابٍ أنه ضَالٌّ؛ وَلِذَا بَيَّنَ هذا من غرائبِ القرآنِ حيث قال بعدَ قولِه: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: آية ١٧٦] أَتْبَعَهُ بقولِه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: آية ١٧٦] فَبَيَّنَ أن مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هذا التشريعَ وَطَعَنَ فيه أنه ضَالٌّ، وهو كما قال الله.
ثم يقولونَ: كيف يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ الطلاقَ بيدِ الرجلِ من غيرِ إِذْنِ المرأةِ، مع أن عقدَ النكاحِ أَوَّلاً لم يكن إلا بإذنِ المرأةِ وَرِضَاهَا، فهي عقدةٌ اجْتَمَعَا عليها، فكيف يَجْعَلُ الاستقالةَ منها للرجلِ وحدَه دونَ إِذْنِ المرأةِ؟
ثم يقولونَ بالفلسفاتِ الشيطانيةِ: ربما أَفْنَى الرجلُ جمالَها وشبابَها حتى صارت لَا يَرْغَبُ فيها غيرُه ثم يُلْقِيهَا وَيُطَلِّقُهَا فتبقَى ضائعةً، وهذا ظُلْمٌ. وَيُلَفِّقُونَ نحوَ هذا من الفلسفاتِ
---------------
(¬١) انظر: الأضواء (١/ ١٥٨).