كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

لأنه يُحْبِلُهَا وهي كارهةٌ، كما قال أبو كبير الهذليُّ في ربيبه تأبط شرًّا (¬١):
مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ ... حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهبَّلِ

يعني حبلت به أُمُّهُ وهي عاقدةٌ حُبُكَ نطاقِها، شادةٌ إِزَارَهَا، ممتنعةٌ من أن تحل الإزارَ، فقد أُكْرِهَتْ على ذلك الجماعِ الذي حبلت منه. ولأَجْلِ هذا إذا كان الرجلُ فاعلاً والمرأةُ مُزْدَرَعٌ ليس من العقلِ ولا من الحكمةِ أن نقولَ لإنسانٍ لا رغبةَ له في الأولادِ في حقلٍ: لا بد أن نُرْغِمَكَ على هذا الحقلِ والبقاءِ معه وأنتَ لا رغبةَ لكَ فيه. والرجلُ لم يُفْنِ من جمالِ المرأةِ شيئًا، إنما أَفْنَى جمالَها الليالي والأيامُ.
أَفْنَاهُ قيل اللَّهِ لِلشَّمْسِ: اطْلُعِي (¬٢) ... ..........................
فالرجل لم يُنْقِصْ من جمالِها شيئًا، وإنما نَقَصَهُ اللَّهُ بطولِ عُمْرِهَا. والمدةُ التي مَكَثَ معها هو قائمٌ بجميعِ شؤونها، وليس مُلْزَمًا بالبقاءِ دائمًا عندَ حقلٍ لَا خيرَ له فيه، فلو أُرْغِمَ على البقاءِ معها دائمًا وهو كارهٌ لم تَسْتَفِدْ منه شيئًا، ولم تَقْدِرْ أن تأتيَ منه بولدٍ، ولا أن تحصلَ منه على شيءٍ، بخلافِ الرجلِ.
وكذلك يزعمونَ أن تعددَ الزوجاتِ من التشريعِ الذي ليس بِطَيِّبٍ. وكلُّ هذا قصورٌ منهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - لأن تعددَ الزوجاتِ فيه مصلحةُ المرأةِ، ومصلحةُ الرجلِ، ومصلحةُ المجتمعِ، فهو تشريعٌ سماويٌّ يشملُ جميعَ المصالحِ، وهم يقولونَ: إن تعددَ الزوجاتِ أمرٌ
---------------
(¬١) البيت لأبي كبير الهذلي يصف تأبط شرًّا، وهو في ديوان تأبط شرًّا ص٨٨، الكامل (١/ ١٧٥)، مغني اللبيب (٢/ ١٩٣)، شواهد الكشاف ص١٠٥.
(¬٢) هذا شطر بيت لأبي النجم، وشطره الثاني:

........................ ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
وهو في «الإيضاح في علوم البلاغة (١/ ٢٩)، ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص١٨٥».

الصفحة 326