كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وَيُطْلَقُ التأويلُ أيضًا على التفسيرِ، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم في ابنِ عباسٍ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (¬١). وقولُهم: فلانٌ يعلمُ تأويلَ القرآنِ. أي: تفسيرَه.
والإطلاقُ الثالثُ - إطلاقٌ حادثٌ هو اصطلاحُ الأصوليين لم يَكُنْ معروفًا في الزمنِ الأولِ - وهو أن التأويلَ: حَمْلُ اللفظِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى محتملٍ مرجوحٍ بدليلٍ يدلُّ عليه. هذا اصطلاحٌ حادثٌ، وهو المعروفُ عندَ الأصوليين باسمِ التأويلِ.
وهو ثلاثةُ أنواعٍ: تأويلٌ صحيحٌ، وتأويلٌ فاسدٌ، وَلَعِبٌ. فإذا كان التأويلُ: صَرْفَ الكلامِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى معنًى مرجوحٍ ليس هو الظاهرَ من الكلامِ بدليلٍ صحيحٍ يدلُّ عليه حقًّا في نفسِ الأمرِ، فهو التأويلُ الصحيحُ الْمُسَمَّى بالتأويلِ القريبِ. ومثالُه: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتُ في صحيحِ البخاريِّ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (¬٢) فإن ظاهرَ هذا الحديثِ الثابتِ في صحيحِ البخاريِّ أن الشفعةَ ثابتةٌ لِلْجَارِ؛ لأَنَّ الصقبَ والسقبَ هو ما يُلَاصِقُ الجارَ من أرضِ جارِه. إلا أنه حُمِلَ على محتملٍ مرجوحٍ، وهو أن المرادَ بالجارِ هنا: خصوصُ الشريكِ المُقاسِمِ. وهذا احتمالٌ مرجوحٌ، إلا إنه دَلَّ عليه نصٌّ صحيحٌ، فَحُمِلَ اللفظُ عليه لدلالةِ ذلك النصِّ، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم في حديثِ جابرٍ: «فَإِذَا صُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَضُرِبَتِ الْحُدُودُ
---------------
(¬١) الحديث بلفظ: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» أخرجه أحمد (١/ ٣٢٨)، وهو في الصحيحين بلفظ: «اللهم علمه الكتاب». كما في البخاري (١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠)، ومسلم (٢٤٧٧).
(¬٢) البخاري في الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. حديث رقم (٢٢٥٨) (٤/ ٤٣٧) وأطرافه في: (٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١).

الصفحة 338