كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

حَمَلَ المسكينَ على المُد، وأجازَ أن يُعْطَى إطعامُ الستينَ لمسكينٍ واحدٍ. وقالوا: حَمْلُ (المسكين) على (المُدِّ) من التأويلِ البعيدِ. هكذا يمثلونَ، وَقَصْدُنَا المثالُ لَا مناقشة أدلةِ أقوالِ العلماءِ هنا.
أما إذا كان صُرِفَ الكلامُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه لَا لدليلٍ في نفسِ الأمرِ ولَا لدليلٍ [خارجيٍّ صحيحٍ فإن ذلك لَا يُعَدُّ من التأويلِ المقبولِ] (¬١) بل هو تَلَاعُبٌ بنصوصِ القرآنِ، وكقولِهم: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن: آية ١٩] البحرين: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} [الرحمن: آية ٢٠] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. فهذا ليس من التأويلِ، وإنما هذا من اللعبِ والتلاعبِ بكتابِ اللَّهِ. ويكثرُ مثلُ هذا في تفسيرِ الْبَاطِنِيِّينَ وغلاةِ الروافضِ، ولا يُسَمَّى تأويلاً وإنما هو لَعِبٌ.
أما التأويلُ في القرآنِ فمعناه: ما تَؤُولُ إليه حقيقةُ الأمرِ. فقولُه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ} أي: ما تَؤُولُ إليه حقيقتُه من دخولِ أهلِ الجنةِ الجنةَ، ودخولِ أهلِ النارِ النارَ.
ثم قال: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: آية ٥٣] أي: يومَ يأتِي الوقتُ الذي تُحَقَّقُ فيه مواعيدُ القرآنِ، وتحقق الوعد للمؤمنِ والوعيد للكافرِ.
{يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: آية ٥٣] أي: تَرَكُوهُ وَتَنَاسَوُا العملَ به في دارِ الدنيا. {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية ٥٣] هذا القرآنُ ونحوُه من الكتبِ كان حَقًّا، والذي أَمَرَ بأن يَدْخُلَ مَنِ امْتَثَلَهُ الجنةَ، ونحن - والعياذُ بالله - لَمَّا لم نَمْتَثِلْ
---------------
(¬١) في هذا الموضع وُجِدَ انقطاعٌ في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

الصفحة 340