كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ذلك الأمرَ فَمَصِيرُنَا إلى النارِ. وهذا معنَى قولِهم: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية ٥٣] وَتَمَنَّوُا الشفاعةَ حيثُ لَا شفاعةَ.
ثم قالوا: {فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ} [الأعراف: آية ٥٣] جمعُ شفيعٍ و (هل) هنا لِلتَّمَنِّي، يتمنونَ الشفعاءَ: {فَيَشْفَعُوا لَنَا} [الأعراف: آية ٥٣] وَيُخْرِجُونَا مِمَّا نحن فيه: {أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف: آية ٥٣] أو هل لنا أن نُرَدَّ إلى دارِ الدنيا لنبدلَ تكذيبَ الرسلِ بالتصديقِ، ونبدلَ المعاصيَ بالطاعاتِ؟ وهو معنَى قولِهم: {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: آية ٥٣] بَيَّنَ اللَّهُ أنهم لَا يجدونَ الشفعاءَ وَلَا يُرَدُّونَ وقال: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف: آية ٥٣] خَسِرُوا أنفسَهم - والعياذُ بالله - لأنهم غُبِنُوا في أنفسِهم وَرُزِئُوا فيها.
والدليلُ على خُسْرَانِهِمْ أنفسَهم: أن غايةَ أمنيتِهم أن تعدمَ أنفسُهم ويموتوا ولكن لا يجدونَ: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)} [الزخرف: آية ٧٧] وهذا معنَى خسرانهم أنفسَهم لأنهم رُزِئُوا في أنفسِهم فَبَاعُوهَا - والعياذُ بالله - بعرضٍ من الدنيا، وَصَارَتْ إلى العذابِ المخلدِ إلى يومِ القيامةِ.
وقولُه: {وَضَلَّ عَنْهُم} [الأعراف: آية ٥٣] غَابَ وَاضْمَحَلَّ ما كان يفترونَه في دارِ الدنيا من أن الأصنامَ تشفعُ لهم، كقولِهم: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: آية ١٨] {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: آية ٣] ومعنَى: {يَفْتَرُونَ} يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ.
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
الصفحة 341