كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)} [الأعراف: الآيات ٥٤ - ٥٧].
يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: آية ٥٤].
لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه السورةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ فيها أحوالَ أهلِ الجنةِ وأحوالَ أهلِ النارِ، وَأَوْضَحَ عواقبَ طاعتِه وعواقبَ معصيتِه، وَبَيَّنَ أنه أَرْسَلَ إلى الدنيا كتابًا فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه بَيَّنَ أن الذي قال هذه الأشياءَ وَأَخْبَرَ بها أنه هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وخالقُ كُلِّ شيءٍ، المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُعْبَدَ وحدَه، ولأن يطاعَ فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ} إن ربكم الله، كُلُّ الناسِ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّهُمْ، ولم يُكَابِرْ في هذا إلا مُكَابِرٌ، أو أحدٌ كالبهائمِ، لا عقلَ له؛ لأنه جُبِلَتْ فِطَرُ العقلاءِ على معرفةِ أن اللَّهَ هو الربُّ الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والكفارُ الذين يعبدونَ الأصنامَ مُقِرُّونَ بهذا عَالِمُونَ به، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على ذلك كثيرةٌ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: آية ٨٧] {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: آية ٣١] وإنكارُ فرعونَ لمعرفتِه ربوبيةَ اللَّهِ
الصفحة 342