كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

التنزيهِ، لَا على أساسِ مشابهةِ الخلقِ - سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا - وَلِذَا قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والصفاتُ كُلُّهَا من بابٍ واحدٍ؛ لأنك لا تجدُ صفةً يَكْثُرُ اتصافُ المخلوقاتِ بها أعظمَ من السمعِ والبصرِ فليست هناك صفةُ مجيءٍ، ولا صفةُ نزولٍ، ولا صفةُ وَجْهٍ، ولا صفةُ يَدٍ، ولا غيرُ ذلك من الصفاتِ أشدَّ اتصافًا للمخلوقاتِ بها من السمعِ والبصرِ، فَضَرَبَ لكَ السمعَ والبصرَ مثلاً على أن تُثْبِتَهُمَا لِلَّهِ وتلاحظَ في ذلك الإثباتِ قولَه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هو حلٌّ وإيضاحٌ برهانيٌّ في جميعِ الصفاتِ الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِه صلى اللَّهُ عليه وسلم أن تُنَزِّهَ اللَّهَ أولاً حتى تُطَهِّرَ قلبَك من أقذارِ التشبيهِ وأدرانِه وأنجاسِه، ثم إذا طَهَّرْتَ أرضَ قلبكَ من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ يجبُ عليكَ أن تؤمنَ بما وصفَ اللَّهُ به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه صلى الله عليه وسلم إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كما بَنَى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} على قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فليس لكَ أن تقولَ: الحيوانُ يسمعُ ويبصرُ، الإنسانُ يسمعُ ويبصرُ، والبعيرُ يسمعُ ويبصرُ، والحمارُ يسمعُ ويبصرُ، وكلُّ حيوانٍ يسمعُ ويبصرُ، فإذا أَثْبَتُّ السمعَ والبصرَ لِلَّهِ كُنْتُ مُشَبِّهًا له بالحيواناتِ!! لَا وَكَلَاّ يا عَبْدِي، بل أَثْبِتْ لي سَمْعِي وبصري إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وَانْظُرْ أني قلتُ قبلَ: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} قلتُ قبلَها: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ليكونَ الإيمانُ بإثباتِ سمعي وبصري مَبْنِيًّا على تنزيهي وعدمِ مماثلتي لِخَلْقِي، فبأولُ الآيةِ يحصلُ للمؤمنِ التنزيهُ التامُّ ويذهبُ عنه جميعُ أنواعِ التشبيهاتِ، وبآخِرِ الآيةِ يؤمنُ
العبدُ بما ثَبَتَ عن ربه أو عن رسولِه صلى الله عليه وسلم إيمانًا كريمًا طاهرًا مُقَدَّسًا عن مشابهةِ صفاتِ

الصفحة 351