كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
هي الْبَلِيَّةُ الثانيةُ الْعُظْمَى؛ لأن مَنْ يدعي على صفاتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه بها مَنِ ادَّعَى عليها أن ظاهرَها قذرٌ، وأنه نَجِسٌ، وأنه خبيثٌ؛ لأنه مشابهةُ الخلقِ، هذه هي البليةُ الأُولَى من البلايا اللازمةِ لمذهبِ الخلفِ.
والبليةُ الثانيةُ: هو أنه إذا اسْتَحْكَمَ هذا التشبيهُ في قلبِه اضطر إلى أن ينفيَ الصفةَ، فيقولُ: هذا الاستواءُ ظاهرُه مشابهةُ المخلوقين فيلزمُ أن نَنْفِيَهُ ونصرفَه عن ظاهرِه إجماعًا؛ لأنه أَوْهَمَ غيرَ اللائقِ، فينفي الوصفَ الذي مدحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه، والوصفُ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه مَنْ نَفَاهُ فهو أَجْرَؤُ من خَاصِي الأسدِ بأضعافٍ، وهو واقعٌ في بليةٍ عُظْمَى، وجنايةٌ كبرى بلا شَكٍّ. ثم إذا ادَّعَى على الصفةِ أن ظاهرَها لا يليقُ ثم نَفَاهَا بسببِ هذه الدعوى جاءَ بصفةٍ أُخْرَى من كِيسِهِ الخاصِّ، من غيرِ اعتمادٍ إلى كتابٍ، ولا إلى سُنَّةٍ، يَظُنُّ أنها هي الكمالُ، فيقولُ: إذًا معنَى (استوى): اسْتَوْلَى، ثم يضربُ لذلك مثلاً ببيتِ الراجزِ المشهورِ (¬١):
قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
فيقولُ: «قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ» معناه: قَدِ اسْتَوْلَى بشرٌ، وإذًا فمعنَى قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ثم اسْتَوْلَى على العرشِ. وهذه هي البليةُ الثالثةُ من البلايا العظامِ، فَاللَّهُ قَالَ: {اسْتَوَى} وهذا قال: «اسْتَوْلَى» فَصَدَقَ عليه قولُه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)} [البقرة: الآية ٥٩] ثم نقولُ: أيها المسكينُ الخَلَفِيُّ الجاهلُ بالله وبعظمةِ اللَّهِ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام.