كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

المحرفُ آياتِ اللَّهِ: قولُك: إن (استوى) بمعنَى: (اسْتَوْلَى) وبيت الرجز الذي جئتَ به أَلَمْ تَخْشَ اللَّهَ في هذا؟ أَلَمْ تَسْتَحِ من اللَّهِ استحياءً يمنعُك أن تُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عَرْشِهِ الذي زعمتَ باستيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَروَانَ على العراقِ؟! وهل يُعلم - أيها الإخوانُ - تشبيهٌ في الدنيا أشنعُ ولا أفظعُ ولا أقبحُ من تشبيهِ استيلاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ على عرشِه المزعومِ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ وهل يَرْضَى عاقلٌ أن يُشَبِّهَ العراقَ بالعرشِ، وأن يشبَه اللَّهَ (جل وعلا) ببشرِ بنِ مروانَ باستيلائِه على العراقِ؟ هل تعقلونَ في الدنيا تَشْبِيهًا أخسَّ من هذا، وأشنعَ من هذا، وأفظعَ من هذا؟! فنقول: أيها الخَلَفيُّ المستدلُّ بهذا البيتِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أنكَ بدعواكَ واستدلالكَ بالبيتِ على استواءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ أنكَ أنتَ أكثرُ المُشَبِّهين في الدنيا نصيبًا في التشبيهِ حيث شَبَّهْتَ العرشَ بالعراقِ، وشَبَّهْتَ خالقَ السماواتِ والأرضِ في استيلائِه على عرشِه باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ ثم لِتَعْلَمْ أن الاستيلاءَ الذي جئتَ به وبدلتَ به لفظَ القرآنِ أنه هو أشدُّ الصفاتِ تَوَغُّلاً في التشبيهِ؛ لأنك لَمَّا قُلْتَ: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} معناه: (استولى) صرتَ مُشَبِّهًا لِلَّهِ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مَخْلُوقًا فغلبَه فاستولى عليه، والمخلوقاتُ التي تَقْهَرُ المخلوقاتِ فتغلبُها فتستولي عليها تُعَدُّ بالملايين، فالاستيلاءُ أكثرُ الصفاتِ
تَوَغُّلاً في التشبيهِ، فصاحبُه يُشَبِّهُ اللَّهَ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مخلوقًا فغلبَه فاستولى عليه، وهذا الاستيلاءُ تحتَه مِنَ التشبيهِ بحورٌ لَا سواحلَ لها تُعَدُّ بالملايين والآلافِ، ولَا شَكَّ أن هذا المسكينَ المغرورَ سيضطرُّ ويقولُ: الاستيلاءُ الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ واستشهدتَ له ببيتِ الرجزِ استيلاءٌ مُنَزَّهٌ عن

الصفحة 358