كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

باختلافِ موصوفاتِها، ونضربُ لذلك مثلاً - ولله المثلُ الأعلى - ألا ترونَ - أيها الإخوانُ - أن لفظةَ (رأس) راء، وهمزة، وسين (رأس) إذا أضفتَه إلى الإنسانِ فقلتَ: «رأسُ الإنسانِ» وأضفتَه إلى الجبلِ فقلتَ: «رأسُ الجبلِ» وأضفتَه إلى الوادي فقلتَ: «رأسُ الوادي» وأضفتَه إلى المالِ فقلتَ: «رأسُ المالِ» أَلَمْ تَكُنْ هذه الحقائقُ متباينةً مختلفةً اختلافًا تامًّا ليست بمتشابهةٍ ألبتةَ مع أن لفظةَ «الرأس» واحدةٌ، وإنما تَبَايَنَتْ حقائقُ هذه الكلمةِ بحسبِ اختلافِ إضافاتِها، وهذا باختلافِ الإضافاتِ إلى مخلوقاتٍ حقيرةٍ، فما بَالُكُمْ - أيها الإخوانُ - بما أُضِيفَ إلى الخالقِ وما أُضِيفَ إلى خَلْقِهِ الذي هو صنعةٌ من صنائعِه؟ فالفرقُ بَيْنَ هذا وهذا كالفرقِ بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ.
شُبْهَةٌ أُخْرَى: إذا قال مُعَطِّلٌ مُتَنَطِّعٌ: القرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ، والعربُ لا تعرفُ في لغتِها للاستواءِ إلا هذا المُشَاهَدَ في المخلوقين، فيكونُ إثباتُه تشبيهًا بحسبِ ما دَلَّ عليه الوضعُ العربيُّ الذي نَزَلَ به القرآنُ.
فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أيضًا: فنقولُ: العربُ الذين نَزَلَ القرآنُ بلغتِهم يعرفونَ كُلَّ المعرفةِ مِنْ وَضْعِ لغتِهم ومعانيها أن بينَ الخالقِ والمخلوقِ، والرازقِ والمرزوقِ، والمُحْيِي والمُحْيَا والمميتِ والمُماتِ، يعلمونَ أن بينَهما فوارقَ عظيمةً هائلةً لا يُقادَر قدرها مستلزمة كُلَّ الالتزامِ لِتَبَايُنِ صفاتِهم، وأن تكونَ صفاتُ هذا متعاليةً متعاظمةً إلى اللياقةِ بذاتِه، وأن تكونَ صفاتُ هذا منحطةً منخفضةً متواضعةً إلى قَدْرِ ذاتِه، فانحطاطُ صفةِ المخلوقِ عن صفةِ الخالقِ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ عن عظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) فهذا

الصفحة 361