كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

يعرفُه أهلُ اللسانِ من لغتِهم؛ وَلِذَا لم يكن الأعرابُ البدوُ يلتبسُ عليهم هذا، فيعلمونَ أن الفوارقَ التي بين الخالقِ وخلقِه، والرازقِ وَمَنْ رَزَقَهُ، والمُميتِ وَمَنْ يُمِيتُهُ، والمُحيي ومن يُحييه، يعلمونَ أن بينهما فوارقَ عظيمةً هائلةً يلزمُها تباينُ الصفاتِ، وأن صفاتِ هذا لا تُشْبِهُ صفاتِ هذا، وأن صفاتِ هذا كذاته لائقةٌ بذاتِه، وأن صفاتِ هذا لائقةٌ بذاتِه، وبينَ صفاتِ هذا وصفاتِ هذا من الاختلافِ كما بَيْنَ ذاتِ هذا وذاتِ هذا.
الجوابُ الثاني: أن نقولَ: القرآنُ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وقد أقررتُم بأن اللَّهَ سميعٌ بصيرٌ، والعربُ لا تَعْرِفُ في لغتِها معنًى للسمعِ والبصرِ لا يُدْرِكُونَ معنًى للسمعِ والبصرِ إلا هذا الْمُشَاهَدَ بالجارحةِ في الحيواناتِ، هل يعلمونَ كيفيةً له غيرَ هذا؟ لا، أبدًا.
فإن قالوا: لا نعلمُ للسمعِ والبصرِ كيفيةً إلا المشاهدَ في الحيواناتِ، لكنا نعلمُ أن سمعَ اللَّهِ وبصرَه مُنَزَّهَانِ عن مشابهةِ أسماعِ الخلقِ وأبصارِهم لتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم وصفاتِه عن صفاتِهم. قلنا: وكذلك نقولُ في الاستواءِ وسائرِ جميعِ الصفاتِ.
فعلينا معًا أن نعلمَ أن الطريقَ الوحيدَ الأسلمَ الذي كان عليه السلفُ الصالحُ أولُه أن نُنَزِّهَ خالقَنا (جل وعلا) عن مشابهةِ الخلقِ، ونعلمَ أن الخلقَ صنعةٌ مِنْ صنعائِه، ثم لا ننكرُ وصفًا أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه، ولا نجحدُ مَدْحًا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه وَعَلَّمَ خلقَه أن يمدحوه، ولا نكذب رسولَنا صلى الله عليه وسلم وننفي مَدْحًا مَدَحَ به رَبَّهُ، فَاللَّهُ أعلمُ بنفسِه منا: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: الآية ١٤٠] ولا يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أعلمُ بِاللَّهِ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ أولاً التنزيهَ وأن الخلقَ صَنْعَةٌ، والصَّنْعَةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها .. ثم نؤمنُ بما ثبتَ عن اللَّهِ،

الصفحة 362