كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وما ثبتَ عن رسولِ اللَّهِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية ١١] فنكونُ بتنزيهِنا طاهرةً قلوبُنا من أقذارِ التشبيهِ، وبإيمانِنا بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرة قلوبُنا من أقذارِ التعطيلِ، فَنَلْقَى اللَّهَ سَالِمِينَ غيرَ مشبهين ولا مُعَطِّلِينَ. وأما هذا المذهبُ الخلفيُّ أولُ ما يبدأ به الادعاءُ على آياتِ اللَّهِ أن ظاهرَها قَذِرٌ، وأنه نَجِسٌ، ثم بعد ذلك نَفْيُهَا، ثم الإتيانُ بشيءٍ آخَرَ من تلقاءِ أنفسِهم لم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ. وكلُّ هذه بليةٌ عُظْمَى من ثلاثِ بلايا لا يُؤْمَنُ أن يقعَ صاحبُها في مَهْوَاةٍ؛ لأن الادعاءَ على اللَّهِ أن ما مَدَحَ به نفسَه ظاهرُه خبيثٌ لَا يليقُ، هذه جنايةٌ كُبْرَى، ونفيُ ما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه جنايةٌ أُخرى، وإتيانُ الإنسانِ بوصفٍ من تلقاءِ نفسِه ليثبتَه لِلَّهِ لم يُثْبِتْهُ اللَّهُ لنفسِه كالاستيلاءِ الذي لم يُثْبِتْهُ الرسولُ ولم يُثْبِتْهُ اللَّهُ هو الجنايةُ الثالثةُ.
ولو هَدَاهُ اللَّهُ إلى ما هَدَى إليه السلفَ الصالحَ [لأَثْبَتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه على ما يليقُ بجلالِ اللَّهِ وعظمتِه] (¬١) لأن الوصفَ عندما يُسْنَدُ إلى اللَّهِ يعلمُ المؤمنُ أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والعلوِّ والشرفِ والرفعةِ واللياقةِ بِاللَّهِ ما يَقْضِي على جميعِ الوساوسِ وأوهامِ علائقِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فيؤمنُ بالوصفِ على أساسِ التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} لَكَانَ سَالِمًا من بليةِ التشبيهِ، وَسَالِمًا من بليةِ التعطيلِ.
ومن المعلومِ أن علماءَ الكلامِ الذين خَاضُوا في هذه الأمورِ،
---------------
(¬١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

الصفحة 363