كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
والصفاتُ التي يسمونَها (سلبيةً)، معناها عندهم: هي الصفةُ التي لم تَدُلَّ على معنًى وجوديٍّ بالوضعِ، فالصفةُ عندهم إما أن تدلَّ على معنًى وجوديٍّ بدلالةِ المطابقةِ فهذه صفةُ معنًى كالقدرةِ؛ لأنها صفةٌ تدلُّ على معنًى، وهي المعنَى القائمُ بالذاتِ التي يَتَأَتَّى به إيجادُ الممكناتِ وإعدامُها على وَفْقِ الإرادة.
أما إذا كانت الصفةُ لا تدلُّ بدلالةِ المطابقةِ على معنًى وجوديٍّ وإنما تدلُّ على عَدَمٍ مَحْضٍ وهو عدمُ مَا لَا يليقُ بِاللَّهِ عن اللَّهِ هذه التي يسمونَها السلبيةَ وهم يقسمونَها إلى خمسِ صفاتٍ: القِدَم والبقاءِ والمخالفةِ للخلقِ والوحدانيةِ والغِنَى المطلقِ الذي يسمونَه (القيامَ بالنفسِ) وهو الاستغناءُ عندَهم عن المحلِّ والمُخَصَّصِ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الكلامِ. فنقولُ: إن القِدَمَ والبقاءَ الذين وَصَفَ بهما المتكلمونَ اللَّهَ زاعمينَ أن اللَّهَ وصفَ بهما نفسَه في قولِه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية ٣] جاء وصفُ المخلوقِ بهما، قال اللَّهُ في وصفِ المخلوقِ بالقِدَمِ: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: الآية ٣٩] {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: الآية ٩٥] {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)} [الشعراء: الآية ٧٦] وقال في وصفِ الحادثِ بالبقاءِ: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)} [الصافات: الآية ٧٧] {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: الآية ٩٦] فلو قَدَّرْنَا أن القِدَمَ يجوزُ إطلاقُه لِلَّهِ كما ذهبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، ويدلُّ عليه حديثُ أبِي داودَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (¬١) لأن القِدَمَ يُطْلَقُ في اللغةِ: على ما له زمنٌ كثيرٌ وإن كان مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، وهو في اصطلاحِ المتكلمينَ لَا يُطْلَقُ إلا على سَلْبِ
---------------
(¬١) سيأتي تخريجه عند تفسير الآية (٩٩) من هذه السورة.