كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

ولا مخطورَ، وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.
ثم بَيَّنَ (جل وعلا) من صفاتِ كمالِه وجلالِه أنه استوى على العرشِ، وأنه كما أنه اسْتَوَى على عرشِه استواءً لائقًا بجلالِه وكمالِه كما قال مع ذلك هو يُدَبِّرُ شؤونَ الدنيا ويدبرُ السمواتِ والأرضَ وَمَنْ فيهما.
{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} قرأَ هذا الحرفَ حمزةُ والكسائيُّ وشعبةُ عن عاصمٍ: {يُغشِّي الليل النهار} مضارعُ غَشَّاهُ يُغَشِّيه.
وقرأه بقيةُ القراءِ السبعة (¬١): {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: آية ٥٤] مضارعُ أغشاه يُغْشيه. وأغشى وغَشَّى بالهمزةِ والتضعيفِ معناهما واحدٌ، ويأتي كُلٌّ منهما في القرآنِ بمعنَى الآخرِ، وتكونُ في كل منهما قراءتانِ (يُغشي) و (يُغَشِّي).
أما في قولِه: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)} [النجم: آية ٥٤] فقد أَجْمَعَ القراءُ كلُّهُمْ على التضعيفِ.
وقولُه: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: آية ٩] أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ على الهمزةِ وعدمِ التشديدِ.
ومعنَى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} العربُ تقولُ: أَغْشَاهُ الشيءُ يغشيه. إذا جعلَه غشاءً له وساترًا ومغطيًا له. معناه: يجعلُ الليلَ مُغْشِيًا للنهارِ، أي: مُغَطِّيًا ضوءَ النهارِ بظلامِه، يذهبُ بضوءِ النهارِ ويغطي ضوءَه بظلامِ الليلِ.
وهذا من غرائبِ صنعِه وعجائبِ آياتِه. وفي الآيةِ محذوفٌ دَلَّ المقامُ عليه، أي: وَيُغْشِي النهارُ الليلَ أيضًا، فيأتِي ضوءُ النهارِ وَيغْشَى ظلامَ الليلِ فَيُذْهِبُهُ ويحل محلَّه، كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.

الصفحة 381