كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
لغةِ العربِ: الإسراعُ والاستعجالُ (¬١). أي: يطلبُه طَلَبًا حَثِيثًا مسرعًا غايةَ الإسراعِ فلَا يُمْهِلُهُ دقيقةً، عندما ينتهي وقتُ النهارِ فإذا الليلُ يطلبُه طلبًا مسرعًا فيحلُّ محلَّه في أسرعِ ما يكونُ، وليس بينَهما واسطةٌ بحيث تكونُ ليست من النهارِ ولَا من الليلِ. فـ (حثيثًا) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: طلبًا حثيثًا، أي: مُسْرِعًا. أو بمعنَى الحالِ، أي: حالَ كونِه حاثًّا، أي: مُسْرِعًا شديدَ الإسراع لا يمهلُه ساعةً (¬٢).
وَاللَّهُ - جل وعلا - ذَكَرَ أن الليلَ - هنا - يطلبُ النهارَ طلبًا حثيثًا، والمفسرونَ [يقولون] (¬٣): يتبعُه تبعَ الطالبِ. والعادةُ المقررةُ عندَ العلماءِ: أن ظاهرَ القرآنِ لَا يجوزُ العدولُ عنه إلا لدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه (¬٤). فلا مانعَ من أن اللَّهَ - جل وعلا - يخلقُ في الليلِ إدراكًا يكونُ يطلبُ به النهارَ؛ لأنه يخلقُ الإدراكَ في الجماداتِ والأشياءِ التي لَا إدراكَ لها، كما قال جل وعلا: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية ٤٤] وكما قال - جل وعلا - في الحجارةِ: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: آية ٧٤] فَصَرَّحَ أن الحجرَ وهو جمادٌ يهبطُ من أعلى الجبلِ من خشيةِ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ في القصةِ المشهورةِ الصحيحةِ أن الجذعَ الذي كان يخطبُ عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ
---------------
(¬١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٨٣)، القرطبي (٧/ ٢٢١)، الدر المصون (٥/ ٣٤٢).
(¬٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٢١)، البحر المحيط (٤/ ٣٠٩)، الدر المصون (٥/ ٣٤٢).
(¬٣) في الأصل: «يقول».
(¬٤) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.