كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وافتقدَ الجذعُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ حنينَ العشارِ، والصحابةُ يسمعونَ، حتى جاءَه صلى الله عليه وسلم يُسْكِتُهُ كما تُسْكِتُ الأُمُّ وَلَدَهَا (¬١).
وذلك الحنينُ بإدراكٍ خَلَقَهُ اللَّهُ في ذلك الجذعِ لَا نعلمُه. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال وهو الصادقُ المصدوقُ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا فِي مَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» (¬٢) وأمثالُ هذا كثيرةٌ في الكتابِ وَالسُّنَّةِ، كقولِه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: آية ٧٢] والإشفاقُ: الخوفُ. فنسبَ الخوفَ والإشفاقَ للسماواتِ والأرضِ والجبالِ وهي جماداتٌ، وصرَّح بأنه يعلمُ مِنَ الجماداتِ ما لا يعلمُه خلقُه حيث قال: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية ٤٤] فلا مانعَ عَقْلاً من أن يجعلَ اللَّهُ للظلامِ المعبَّرِ عنه بالليلِ إدراكًا يطلبُ به النهارَ، لَا مانعَ عَقْلاً من ذلك، ولا ينبغي أن يُصْرَفَ القرآنُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه.
وعامةُ المفسرين يقولونَ: إن معنَى {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: آية ٥٤] أي: يُسْرِعُ تَابِعًا له، كما يفعلُه الطالبُ. مع زعمِهم أن الليلَ ليس عندَه إدراكٌ يطلبُ به؛ لأنه ظلامٌ، ومعروفٌ أن الليلَ ظلامٌ، ولكن اللَّهَ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ. وهذا معنى قوله: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}.
وكذلك النهارُ يطلبُ الليلَ حثيثًا، أي: طلبًا بإسراعٍ جِدًّا. وبعضُ المفسرينَ يذكرُ هنا مسائلَ الأفلاكِ وحركاتِها، وحركةَ الفلكِ
---------------
(¬١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.

الصفحة 384