كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
وفلسفةٍ منطقيةٍ، وفلسفةٍ إلهيةٍ، وفلسفةٍ طبيعيةٍ، وفلسفةٍ نفسيةٍ، وفلسفةٍ تشريعيةٍ (¬١) قَسَّمُوهَا هذه القسمةَ السداسيةَ، وَبَحَثُوا في كُلِّ قِسْمٍ منها. قَسَّمُوا القسمَ الرياضيَّ منها - وهو الفلسفةُ الرياضيةُ منقسمةٌ - إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وهي الهندسةُ، والحسابُ، والهيئةُ.
أما الهندسةُ والحسابُ: فَكِلَاهُمَا مَبْنِيٌّ على مقدماتٍ عقليةٍ يقينيةٍ، وقواعدَ حقيقيةٍ مُنْطَبِقَةٍ لَا يَشُكُّ فيها عاقلٌ، فهي علومٌ مبنيةٌ على مقدماتٍ عقليةٍ وأساسٍ يقينيٍّ؛ ولذلك لا يتطرقُها خطأٌ إلا من جهةِ الناظرِ فيها؛ وَلِذَا لا تجدُ فيلسوفًا يأتِي ويقولُ: فكرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في الحسابِ خاطئةٌ. أو فكرتُه في الهندسةِ خاطئةٌ؛ لأن الحسابَ والهندسةَ من الفلسفةِ الرياضيةِ كِلَاهُمَا مركبٌ في مقدماتٍ عقليةٍ صحيحةٍ لَا خطأَ فيها.
أما النوعُ الثالثُ من الفلسفةِ الرياضيةِ - وهو الهيئةُ - فقد أَطْبَقَ أهلُه على أنه لم يكن مَبْنِيًّا على مقدماتٍ عقليةٍ، ولا قواعدَ يقينيةٍ، وإنما مَبْنَاهُ تخميناتٌ، وظنونٌ أكثرُ ما تكونُ كاذبةً، وربما صَدَقَتْ؛ ولذا تجدُ الفيلسوفَ يقولُ: نظرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في كذا - في الشمسِ، أو في القمرِ، أو في طبقاتِ الجوِّ، أو في كذا - نظرةٌ خاطئةٌ، بل الحقُّ كذا وكذا؛ لأنها لم تُبْنَ على مقدماتٍ يقينيةٍ، ولا قوانينَ عقليةٍ، بل مَبْنَاهَا ظنونٌ وتخميناتٌ. وهذه الظنونُ والتخميناتُ أَضَلَّتْ كثيرًا من الرعاعِ الْمُتَسَمِّينَ باسمِ المسلمين، يُكَذِّبُونَ نصوصَ القرآنِ ونصوصَ السنةِ نَظَرًا إلى أقوالِ كفرةٍ فجرةٍ في شيءٍ لَا أساسَ لهم فيه، فقضيةُ الفلسفةِ الهيئيةِ من الفلسفةِ الرياضيةِ
---------------
(¬١) انظر: كشف الظنون (٢/ ١٢٨٩).