كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
علينا تكذيبُه وتكفيرُ صاحبِه إن أُنْذِرَ ولم يَتُبْ، وما لم يُنَاقِضِ القرآنَ مناقضةً صريحةً فعلينا أن لا نَعْجَلَ ولا نَتَجَرَّأَ ولَا نقول على طول: هذا كَذِبٌ لأنه يناقضُ القرآنَ!! بل نَتَثَبَّتُ ولا نحكمُ على نظريةٍ أنها تناقضُ القرآنَ إلا بتحقيقٍ ويقينٍ وكونِ القرآنِ صريحًا في ذلك. وغير ذلك نقول: الذي يظهرُ لنا من ظاهرِ القرآنِ كذا، وهذا الذي نفهمُه، فإن كان فَهْمُنَا صحيحًا فالأمرُ كما فَهِمْنَا، وإن كان غيرَ ذلك فالقصورُ مِنَّا وَمِنْ فَهْمِنَا، وكتابُ اللَّهِ حَقٌّ لَا يأتيه الباطلُ من بَيْنِ يديه وَلَا من خلفِه، لا يخالفُ نظريةً صحيحةً.
وقولُه جل وعلا: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: آية ٥٤] قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} بنصبِ الأسماءِ الأربعةِ؛ فقولُه: {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفاتٌ على قولِه: {السَّمَاوَاتِ} {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} وخلقَ الشمسَ والقمرَ، وخلقَ النجومَ في حالِ كونِ المذكوراتِ مسخراتٍ بِأَمْرِهِ.
وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: {والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره} (¬١) فعلى قراءةِ ابنِ عامرٍ بالرفعِ: (الشمسُ) مبتدأٌ، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وخبرُ المبتدأِ: {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} (¬٢).
والتسخيرُ: التذليلُ. فقد سَخَّرَ الشمسَ لمنافعِ هذا الْخَلْقِ؛ ولأنها آيةٌ عُظْمَى كما قال: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)} [النبأ: آية ١٣]
---------------
(¬١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩.
(¬٢) انظر: حجة القراءات ص٢٨٤.