كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ولم تَزَلْ مستحكمةً مستفحلةً أيامَ المأمونِ، وأيامَ المعتصمِ، وأيامَ الواثقِ بِاللَّهِ، ثم أَزَالَ اللَّهُ المحنةَ على يدِ المتوكلِ على اللَّهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وقد ذَكَرْنَا مرارًا (¬١) أن أولَ مصدرٍ لكبحِ هذه الفتنةِ وَجِمَاحِهَا في أيامِ الواثقِ قضيةُ الشيخِ الشاميِّ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأذرميُّ في قصتِه المشهورةِ؛ لأن العلماءَ عُذِّبُوا في القولِ بِخَلْقِ القرآنِ، وَامْتُحِنُوا غايةَ الامتحانِ. وكانوا وقتَ المناظراتِ مِمَّا يستدلونَ به آيةُ الأعرافِ هذه، فيقولونَ: اللَّهُ جعلَ الخلقَ على حِدَةٍ والأمرَ على حِدَةٍ، والأمرَ في القرآن؛ لأن أمرَه بكلامِه فكلامُه غيرُ داخلٍ في خَلْقِهِ. وهم صَادِقُونَ، ومناقشاتُ الذين يُجَادِلُونَهُمْ معروفةٌ. وكان حاملُ رايةِ تلكَ المحنةِ: أحمدَ بنَ أَبِي دؤاد الإياديَّ جَازَاهُ اللَّهُ بما هو أَهْلُهُ. وقد قُتِلَ فيها كثيرٌ من العلماءِ، وَامْتُحِنَ خَلْقٌ من العلماءِ، وَدَاهَنَ كثيرٌ منهم، وَضُرِبَ أيامَ المعتصمِ بالله في محنةِ القولِ بالقرآنِ سيدُ المسلمين في زمانِه: الإمامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ برحمته، وَجَزَاهُ عن الإسلامِ والمسلمين خَيْرًا - ضُرب أيام الواثق، لم يزل يُضْرَب حتى يُرْفَعَ من محلِّ الضربِ لا يدري ليلاً من نهارٍ، غائبَ العقلِ من شدةِ الضربِ المبرحِ الأليمِ!! وإذا أَفَاقَ يقولونَ له: قُلِ القرآنُ مخلوقٌ. يقول: لَا وَاللَّهِ، القرآنُ كلامُ اللَّهِ غيرُ مخلوقٍ، صفةُ اللَّهِ، منه بَدَأَ وإليه يعودُ، لا أقولُ مخلوقٌ. وذكروا أن ذلك الشيخَ الشاميَّ هو أولُ مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ على يديه خمودَ القولِ بمحنةِ القرآنِ، وأن الواثقَ بالله لم يَمْتَحِنْ بعدَه أحدًا.
وقد ذَكَرَ الخطيبُ في
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١٤٤) من سورة الأنعام.