كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

قال: كانوا عَالِمِينَ بها ولم يدعوا الناسَ إليها.
فقال الشيخُ الشاميُّ: أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أَبِي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ في أُمَّتِهِ؟ أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أبي دؤادٍ ما وسع الخلفاءَ الراشدين في رعاياهم من المسلمين؟ فقام الواثقُ من مَوْضِعِهِ، وسقطَ من عينِه ابنُ أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدَها أحدًا في خَلْقِ القرآنِ. وَذَكَرَ عنه الخطيبُ أنه تابَ من القولِ بخلقِ القرآنِ، إلا أنه لم يُظْهِرْهُ، وإنما أظهرَ السنةَ المتوكلُ على اللَّهِ. وفي القصةِ: أن الواثقَ خَرَجَ إلى مَحَلِّ خلوتِه واضطجعَ على قفاه ووضعَ رجلَه على ركبتِه ثم قال: جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أَبِي دؤادٍ!! ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!! ثم قال: علمها رسول الله وخلفاؤه ولم يَدْعُوا الناسَ إليها، أَلَمْ يَسَعِ ابنَ أبي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ وخلفاءَه الراشدينَ؟ وسقط من عينه، ثم أمر بالحدادِ فَفَكَّ الحديدَ عن الشيخِ الشاميِّ، وأعطاه أربعمائة دينارٍ، وقال له: ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ رَاشِدًا. هكذا يقولونَ.
والشاهدُ: أن مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُمتحنون في القولِ بخلقِ القرآنِ آيةُ الأعرافِ هذه يقولونَ: إن الأمرَ إنما هو بكلامِه، وقد جَعَلَهُ على حِدَةٍ عن الخلقِ حيث قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: آية ٥٤] فَدَلَّ على أن الأمرَ ليس من الخلقِ، وأن كلامَ اللَّهِ الذي هو أمرُه ليس بمخلوقٍ. هكذا يستدلونَ. واستدلَّ به قبلَ المحنةِ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ في الاستدلالِ في هذه الآيةِ كثيرةٌ معروفةٌ. وهذا معنَى قولِه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}.
{تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية ٥٤] (تبارك)

الصفحة 396