كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ولو كان في أَخْفَى الخفاءِ، وأنه عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، قادرٌ على أن يُذْهِبَ عنه بالضرِّ ويأتيه بالخيرِ، فالدعاءُ مُخُّ العبادةِ، وهو مِنْ أعظمِ العباداتِ إذا كان مُخْلَصًا فيه لِلَّهِ؛ ولذا أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ به في هذه الآية: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} أَيْ: خالقَكم وسيدَكم ومدبرَ شؤونكم، ادعوه: {تَضَرُّعًا} تَضَرُّعًا: مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالٌ. أي: في حالِ كونِكم متضرعين. والتضرعُ: (التفَعُّل) من الضراعةِ. والعربُ تقولُ: ضَرَعَ فلانٌ لفلانٍ. إذا ذَلَّ له وَخَشِعَ (¬١). أي: ادْعُوهُ تَضَرُّعًا، أي: في حالِ كونِكم متضرعينَ أذلَاّءَ خاشعينَ له - جل وعلا - مستشعرينَ ذُلَّكُمْ وفقرَكم وحاجتَكم، وعظمةَ ربكم وكبرياءَه، وشدةَ فقرِكم إليه، وشدةَ غِنَاهُ عنكم. وَكُلُّ ذليلٍ خاشعٍ تُسَمِّيهِ العربُ: (ضارعًا)، وهو معروفٌ في كلامهم، ومنه قولُ الشاعرِ (¬٢):
ليُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وقولُه: {وَخُفْيَةً} قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا شعبةَ عن عَاصِمٍ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} بضمِّ الخاءِ، وهو (فُعْلَة) من الخفاءِ الذي هو ضِدُّ العلانيةِ والجهرِ. وقرأه شعبةُ وحدَه عن عاصمٍ: {ادعوا ربكم تضرعًا وخِفْية} بكسرِ الخاءِ (¬٣). وَالْخُفْيَةُ والخِفيةُ لغتانِ. فهي (فُعلة) و (فِعلة) من الخفاءِ. لغتانِ فصيحتانِ، وقراءتانِ سبعيتانِ.
ومعنَى ادعوه خُفْيَةً: أي لِيَكُنْ دعاؤكم في خفاءٍ. وكان السلفُ الصالحُ (رضي الله عنهم) من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم يجتهدونَ في الدعاءِ ولَا يُسْمَعُ لهم شيءٌ، إنما هو هَمْسٌ خَفِيٌّ فيما بينَهم وبينَ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.
(¬٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٩٦.