كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ربهم؛ لأن إخفاءَ الدعاءِ أبعدُ من الرياءِ، ولأنه يدلُّ على ثقةِ العبدِ بأن رَبَّهُ عَالِمٌ بِمَا خَفِيَ وما ظَهَرَ لَا يَخْفَى عليه شيءٌ. فالدعاءُ الخفيُّ أفضلُ وأعظمُ من الدعاءِ الذي هو [جهرًا] (¬١) وعلانيةً، وقد أَثْنَى اللَّهُ بخفاءِ الدعاءِ على عبدِه زكريا في قولِه: {كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)} [مريم: الآيات ١ - ٣] فتعليمُ رَبِّ العالمين أن اللَّهَ يأمرُك أن تدعوه في جميعِ حوائجِك إذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ يُيَسِّرْهُ لكَ، وإذا نَابَكَ أمرٌ، أو حَزَبَكَ مكروهٌ، أو دَهَمَتْكَ خطوبٌ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ، وَتَضَرَّعْ إليه بِذُلٍّ واستكانةٍ في دعاءٍ خَفِيٍّ لَا يسمعُه أحدٌ؛ لأن اللَّهَ - جل وعلا - السرُّ عندَه علانيةٌ، إذا أسررتَ به يعلمُه ولا يَخْفَى عليه، ولو هَمَسْتَ به في نفسِك كما قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: آية ٧].
ومن هذه الآيةِ الكريمةِ أَخَذَ الإمامُ أبو حَنِيفَةَ وأصحابُه حُكْمًا فِقْهِيًّا وهو عدمُ رفعِ الصوتِ بـ (آمين) إذا قال الإمامُ: {وَلَا الضَّالِّينَ} قالوا: إن (آمين) دعاءٌ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. وَاللَّهُ - جل وعلا - يقولُ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: آية ٥٥] قالوا: الأمرُ بإخفاءِ الدعاءِ نصٌّ صريحٌ في القرآنِ المتواترِ المعصومِ، فلَا تُعَارِضُهُ الأحاديثُ التي وَرَدَتْ بإظهارِ التأمينِ (¬٢)؛ لأنه جاءَ بعضُ الأحاديثِ أن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان إِذَا قَرَأَ: {وَلَا الضَّالِّينَ} رَفَعُوا أصواتَهم بآمين حتى تَرْتَجَّ
---------------
(¬١) في الأصل «سرًّا»، وهو سبق لسان.
(¬٢) انظر: الهداية (١/ ٤٨ - ٤٩)، القرطبي (١/ ١٢٩)، (٧/ ٢٢٤)، ابن كثير (١/ ٣١).