كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
فهذا من الاعتداءِ في الدعاءِ. وعن بعضِ الصحابةِ أنه سَمِعَ ولدَه يقولُ: «اللهم إني أسالكَ الجنةَ وحورَها ونعيمَها وكذا وكذا، وأعوذُ بكَ من النارِ وسلاسلِها وأغلالِها وكذا وكذا وكذا. قال: هذا من الاعتداءِ في الدعاءِ، يَكْفِيكَ أن تقولَ: اللهم إني أسالكَ الجنةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذُ بكَ من النارِ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» (¬١).
فَاللَّهُ جل وعلا: {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الْمُجَاوِزِينَ في الحدودِ، سواء كان في الدعاءِ أو في غيرِ الدعاءِ من مجاوزةِ ما ينبغي إلى ما لا ينبغي كما هو عامٌّ، وهي وإن نَزَلَتْ في الدعاءِ فالعبرةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ.
ونحن وإن كنا نعلمُ أن الإخفاءَ في الدعاءِ أفضلُ من [الجهرِ] (¬٢) به وندعو غالبًا في هذا المجلسِ دعاءً ظاهرًا قَصْدُنَا به أن يَسْمَعَنَا إخوانُنا ويُؤَمِّنُّونَ لنا فنكونَ مجتمعين على الدعاءِ في هذا الشهرِ المباركِ، ولو أَسْرَرْنَا الدعاءَ لَمَا سَمِعُوهُ وَلَمَا أَمَّنُوا لنا، والمُؤَمِّنُ أحدُ الدَّاعِيَيْنِ، وقد نَصَّ على ذلك القرآنُ؛ لأن اللَّهَ في سورةِ يونسَ قال عن نَبِيِّهِ موسى: {وَقَالَ مُوسَى} ذَكَرَ موسى وحدَه: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا
---------------
(¬١) أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، ١٨٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٨)، وأبو يعلى (٢/ ٧١)، والطيالسي رقم (٢٠٠)، وأبو داود في الصلاة، باب الدعاء .. حديث رقم (١٤٦٧)، (٤/ ٣٥٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. وهو في صحيح أبي داود (١٣١٣)، وانظر: الزيلعي على أحاديث الكشاف (١/ ٤٦٢)، تخريج ابن حجر على الكشاف ص٦٤، الفتح السماوي (٢/ ٦٣٦).
(¬٢) في الأصل: «الإسرار» وهو سبق لسان.