كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وقولُ الضحاكِ وغيرِه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} ولَا تُغَوِّروا الأنهارَ، وَتَدْفِنُوا المياهَ الجاريةَ، وتقطعوا الأشجارَ المثمرةَ (¬١). كُلُّ ذلك داخلٌ في هذا، وربما كان قَطْعُ الشجرِ مصلحةً للمسلمين إذا كان فيه حصارٌ للكفرةِ ومضرةٌ عليهم (¬٢)، كما يأتي فيما وَقَعَ في بني النضيرِ في قولِه: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ} أي: من نخلةٍ {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: آية ٥] ومن الفسادِ في الأرضِ: قطعُ الدنانيرِ، وإفسادُ السكةِ، وَكُلُّ معصيةٍ لله وضرر على المسلمين وشرك بالله، جميعُ هذا من الفسادِ في الأرضِ الذي نَهَى اللَّهُ عنه؛ لأَنَّ طاعةَ اللَّهِ كُلَّهَا صلاحٌ يستوجبُ المطيعون بها رحمةَ اللَّهِ ونعيمَه وعافيتَه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: آية ٢ - ٣] {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: آية ٤] فطاعةُ اللَّهِ وتقواه سببٌ لإدرارِ الأرزاقِ والعافيةِ كما قال تعالى عن نَبِيِّهِ نوحٍ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (١٢)} [نوح: الآيات ١٠ - ١٢] وقال عن نَبِيِّهِ هودٍ أنه قال لقومِه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} إلى قولِه: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: آية ٥٢] وهذا متكررٌ في القرآنِ. والمعاصِي والشركُ كُلُّهَا إفسادٌ في الأرضِ، وطاعةُ اللَّهِ واتباعُ أوامرِه كُلُّهَا إصلاحٌ في الأرضِ.
ومعنَى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية ٥٦] أي: بالشركِ والمعاصِي وجميعِ أنواعِ الفسادِ.
---------------
(¬١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٢٦).
(¬٢) المصدر السابق (٧/ ٢٢٧)، (٩/ ٨٤)، (١٨/ ٨).

الصفحة 405