كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

{بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} بعدَ أن أَصْلَحَهَا اللَّهُ بأن بَعَثَ فيها الرسلَ الكرامَ، وعلَّموا أوامرَ اللَّهِ ونواهيَه، وما به صلاحُ الدنيا والآخرةِ، فإن مَبْعَثَ الرُّسُلِ تستقيمُ به أمورُ الدنيا، ويصلحُ به جميعُ الشؤونِ مما يُصْلِحُ الدنيا والآخرةَ، فَمَنْ جاءَ لأمورِ الناسِ وهي صالحةٌ قائمةٌ على أوامرِ اللَّهِ وشرعِه الذي جاءت به رُسُلُهُ وغيَّر في ذلك وَأَفْسَدَ وأشركَ وعصى فقد أَفْسَدَ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها. وهذا هو الأظهرُ في معنَى الآيةِ.
وقولُه جل وعلا: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية ٥٦] قال بعضُهم: {وَادْعُوهُ} معناه: اعْبُدُوهُ. وقال بعضُهم: هو الدعاءُ بمعنَى المسألةِ والطلبِ لجلبِ الخيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. والدعاءُ من أعظمِ أنواعِ العبادةِ.
وَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الداعيَ ينبغي له إذا دَعَا رَبَّهُ أو عبدَ رَبَّهُ يستشعرُ الخوفَ من اللَّهِ والطمعَ فيه، فيكونُ طامعًا في ثوابِ اللَّهِ ورحمتِه واستجابةِ دعائِه لِمَا يعلمُ من فضلِ اللَّهِ وكرمِه ورحمتِه ورأفتِه بعبادِه. فَعَلَى الداعِي أن يكونَ خائفًا طامعًا. وبهذا يُعْلَمُ أن ما يقولُه بعضُ مَنْ غَلَا: أن مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لأجلِ الخوفِ من الله، أو لأجلِ الطمعِ فيه أن عبادتَه ناقصةٌ!! لأنه مُتَاجِرٌ بعبادتِه ليدفعَ عنه الخوفَ، أو يستجلبَ له الطمعَ، وأن الأكملَ أن يكونَ عَبَدَ اللَّهَ لعظمةِ اللَّهِ وإجلالِه. هكذا يقول بعضُهم! وخيرُ الْهَدْيِ هَدْيُ كتابِ (¬١) اللَّهِ، وقد أَمَرَنَا في دعائِه أن ندعوه خائفين من عذابِه وعقابِه وَنَكَالِهِ، طَامِعِينَ في فضلِه ورحمتِه ورأفتِه وَجُودِهِ وما عندَه من الخيرِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أَمْرَيْنِ هما: جلبُ النفعِ، ودفعُ الضُّرِّ.
وإذا كان
---------------
(¬١) في الأصل: «كتاب الله صلى الله عليه وسلم». وهذا سبق لسان.

الصفحة 406