كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

العلمِ. وقد دَلَّ الحديثُ على أن الإنسانَ لَا ينبغي له أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بالله (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية ٥٦].
ثم قال: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: آية ٥٦] الرحمةُ صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ اشْتَقَّ لنفسِه منها اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) وهي صفةٌ كريمةٌ من صفاتِ اللَّهِ تظهرُ آثارُها فيمن شاء أن يرحمَه مِنْ خَلْقِهِ، اشتق من هذه الصفةِ لنفسِه اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) ونحنُ نُثْبِتُ لله ما أثبتَه لنفسِه على أكملِ الوجوهِ وأنزهِها وأقدسِها وأليقِها بالله، وأبعدِها عن مُشَابَهَةِ صفاتِ المخلوقين.
وقولُه: {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} المحسنونَ جمعُ تصحيحٍ للمحسنِ، والمحسنُ: اسمُ فاعلِ الإحسانِ، والإحسانُ مصدرُ أَحْسَنَ العملَ يُحْسِنُهُ إحسانًا، إذا جاء به حَسَنًا.
والإحسانُ هو الذي خَلَقَ اللَّهُ الخلائقَ من أجلِ الاختبارِ فيه (¬١). إحسانُ العمل كما قال (جل وعلا) في أولِ سورةِ هودٍ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية ٧] فَبَيَّنَ أن الحكمةَ في الخلقِ: ابتلاؤُه الخلقَ أيهم أحسنُ عملاً، ولم يَقُلْ: أيهم أكثرُ عملاً. وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية ٧] وقال في أولِ سورةِ الملكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.

الصفحة 408