كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

فتقول: هذه المرأةُ قريبٌ مني. تعني في المسافةِ لَا في النسبِ. ودارُها قريبٌ من دَارِي. وإن شئتَ قلتَ: قريبةٌ من داري. والكلُّ مسموعٌ في كلامِ العربِ، فتقول: دارُ زيدٍ قريبٌ من دارِ عمرٍو، ودارُ زيدٍ قريبةٌ من دارِ عمرٍو، وهذه المرأةُ الفلانيةُ قريبٌ من فلانٍ. تعنِي في المسافةِ وقريبةٌ منه تعنِي في المسافة، والكلُّ مسموعٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، فَمِنْ إدخالِ التاءِ على قرابةِ المسافةِ قولُ عروةَ بنِ حزامٍ (¬١):
عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنِّي قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو، وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ

فقال: «قريبةٌ» بالتاءِ، وهو قربُ مسافةٍ. ومن تجريدِ (القريبةِ) من التاءِ في المسافةِ قولُ امرئِ القيسِ (¬٢):
لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمَّ هَاشِمٍ ... قَرِيبٌ وَلَا البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا

فقال: «أم هاشم قريب». يعنِي في المسافةِ. ومن هذا المعنَى قولُه تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: آية ١٧] أي: في الزمانِ، ولم يقل قَرِيبَةٌ. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: آية ٦٣].
قال بعضُ أهلِ العلمِ: وجهُ تذكيرِ الرحمةِ: إضافتُها إلى اللَّهِ جل وعلا.
وقال بعضُهم: وَجْهُ تذكيرِها لأنها نَعْتٌ لموصوفٍ محذوفٍ: إن رحمةَ اللَّهِ شيءٌ قريبٌ من المحسنين.
---------------
(¬١) البيت في ابن جرير (١٢/ ٤٨٨)، البحر المحيط (٤/ ٣١٣)، الدر المصون (٥/ ٣٤٦).
(¬٢) ديوان امرئ القيس ص٦٥.

الصفحة 411