كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ هي رحمتُه لعبدِه في الآخرةِ، يقولونَ: إن الإنسانَ كُلَّ يوم يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما أَمَامَكَ قريبٌ وما وراءَك بعيدٌ، كما قال الحطيئةُ أو غيرُه (¬١):
لَعَمْرُكَ مَا السَّعَادَةُ جَمْعَ مَالٍ ... وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ ...
وَمَا لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِي قَرِيبٌ ... وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْضِي بَعِيدُ
فَكَأَنَّ الإنسانَ كُلَّ يومٍ يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما يستقبلُه الإنسانُ يتقربُ إليه دائمًا، وما يَسْتَدْبِرُهُ يتباعدُ منه دائمًا، والآخرةُ قريبٌ جِدًّا، كما قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} وهذا معنى قوله: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ قريبةٌ من عبادِه المحسنين بحصولِها لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه في الدنيا يرحمُهم بالتوفيقِ إلى الأعمالِ الصالحةِ وبالعملِ بما يرضيه، كما قال جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية ٧] {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: آية ٤٣] فَبَيَّنَ أنه بالمؤمنين رحيمٌ، يرحمهم بالدنيا بما يُيَسِّرُ لهم من التوفيقِ إلى ما يُرْضِيهِ، ويرحمُهم في الآخرةِ بالإدخالِ في دارِ كرامتِه. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)}
---------------
(¬١) البيت للحطيئة، وهو في الأمالي (٢/ ٢٠٢)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٠٧)، شعر الدعوة الإسلامية ص٥١٧، وبين البيتين بيت آخر وهو قوله:
وتقوى الله خير الزاد ذُخرا ... وعند الله للأتقى مزيدُ