كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

أما مَنْ قَرَأَ: {نُشُرًا} فنشرًا جمعُ ناشرةٍ، أو جمعُ نَشُورٍ، وفيها مَعْنَيَانِ (¬١): أحدُهما: أنها تنتشرُ أمامَ المطرِ من ها هنا وها هنا، أو أنها تُلَقِّحُ المطرَ الذي به إحياءُ الأرضِ الميتةِ فكأنها تَنْشُرُهُ. والإنشارُ والنشورُ: النشورُ: الحياةُ بعدَ الموتِ، وَأَنْشَرَهُ: أحياه بعدَ الموتِ. وأكثرُهم على أن نُشُرًا جمع نَشُورٍ، أو جمع ناشرةٍ كما قال بعضُهم، كشاهدٍ وشُهُدٍ. ونُشُر هي التي تنتشرُ أمامَ المطرِ فتأتِي منتشرةً من ها هنا ومن ها هنا. وعلى هذا القولِ فهو من الانتشارِ؛ لأَنَّ الريحَ كأنها كانت راكدةً كالشيءِ المطويِّ، فإذا كانت أمامَ المطرِ نُشِرَتْ كما يُنْشَرُ الثوبُ، فجاءت منتشرةً أمامَ المطرِ من ها هنا ومن ها هنا.
وقراءةُ ابنِ عامرٍ: {نُشْرًا بين يدي رحمته} كقراءةِ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو إلا أن ابنَ عامرٍ خَفَّفَ الشينَ فسكَّن ضمتَها. كما تقولُ: رسُل ورُسْل، وكتُب وكُتْب، ونُشُر ونشْر. فمعنى قراءةِ ابنِ عامرٍ كالقراءةِ التي قَبْلَهَا، وهو أن اللَّهُ يُرْسِلُ الرياحَ في حالِ كونِها منتشرةً من ها هنا وها هنا أمامَ السحابِ. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه جل وعلا.
وعلى قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ {نَشْرًا} ففيه من الإعرابِ وجهانِ: أحدُهما: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} لأَنَّ معنَى (يرسلها) في قوةِ: ينشرُ الرياحَ بين يدي المطرِ نَشْرًا. فتكونُ مفعولاً مُطْلَقًا بالمعنَى من (يرسل). أو أنها مصدرٌ مُنكَّرٌ حَالٌ، أي: يرسلُ الريحَ في حالِ كونِها منتشرةً أمامَ المطرِ، أو ناشرةً كَمَا ذَكَرْنَا.
---------------
(¬١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٣).

الصفحة 414