كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا ... جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا
وبهذا تعلمونَ أن المطرَ إنما يَنْزِلُ بأمرِ اللَّهِ وقدرتِه وإرادتِه، يعلم قَدْرَهُ ويجعلُه في أوعيةِ السحابِ، ويحملُه على مَتْنِ الريحِ، ثم يُخْرِجُهُ من الثقوبِ والخلالِ التي في الوعاءِ الذي هو فيه وهو السحابُ، كما قال وهو أصدقُ مَنْ يقولُ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: آية ٤٣] والعربُ كانوا يزعمونَ أن بعضَ الْمُزْنِ يمتلئُ من البحرِ، وهو معروفٌ في أشعارهم، ومنه قولُ أبي ذؤيبٍ الهذليِّ (¬١):
سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَنَاتِمُ غُرٌّ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
يعني: لُجَجَ البحرِ. ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ (¬٢):
لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ ... رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ
كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ كَمَا إِذَا ... أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ
---------------
(¬١) البيت الأول في اللسان (مادة: ثج) (١/ ٣٤٩)، (حنتم) (١/ ٧٣٤)، وفيه (حناتم سُحْم) والبيت الثاني في الخصائص (٢/ ٨٥)، المحتسب (٢/ ١١٤)، اللسان (مادة: شرب) (٢/ ٢٨٧)، (متى) (٣/ ٤٣٥)، (مخر) (٣/ ٤٥٠).
(¬٢) البيتان في ديوان طرفة ص٥٨، البحر المحيط (١/ ٨٦)، والأول منهما في رصف المباني ص٢٦٨، والبيت الثاني في الخصائص (٢/ ٨٥)، اللسان (مادة: عسلج) (٢/ ٧٧٩)، (مخر) (٣/ ٤٥٠)، وفي جميع هذه المصادر: «أنبت الصيف».
الصفحة 418