كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
هذه غرائبُ صنعِ اللهِ وعجائبُه، والكفرةُ الملاعينُ الذين يزعمونَ أن إنزالَ اللهِ للمطرِ بهذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ المُبيَّنِ في سورةِ النورِ وغيرِها - الذي صَرَّحَ اللهُ بأنه هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي يُصَرِّفُهُ بين خَلْقِهِ كما يشاءُ - يزعمونَ أن كُلَّ هذا كَذِبٌ، وأنه لَا خالقَ ولا فاعلَ مختار، وإنما هي أمورٌ طبيعيةٌ، فطبيعةُ الماءِ أن يتبخرَ بطبيعتِه إما بدرجاتِ حرارةِ الشمسِ؛ لأن الماءَ إذا بلغَ درجةَ مائةٍ من درجاتِ الحرارةِ يستحيلُ بُخَارًا، أو باحتكاكِه بالريحِ، فاحتكاكُ الريحِ بالماءِ قد يجعلُه بخارًا، ثم إن البخارَ يتصاعدُ بطبيعةِ حالِه، ثم يجتمعُ بعضُه إلى بعضٍ، فيلاقي هواءً آخَرَ بصفةِ كذا، فتفرقُه الريحُ، وأن هذا أمرٌ طبيعيٌّ لَا فاعلَ له. هذا كُفْرٌ بالله، وإنكارٌ لخالقِ السماواتِ والأرضِ، وجحودٌ له (جل وعلا).
واللهُ بَيَّنَ أن أكثرَ الخلقِ سيصيرونَ إلى ذلك في سورةِ الفرقانِ كما أَوْضَحَهُ بقولِه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا (٥٠)} [الفرقان: الآيات ٤٨ - ٥٠] ولَا شَكَّ أن مِنَ الناسِ الذين أَبَوْا إلا كفورًا: الذين زَعَمُوا أنه نَزَلَ بطبيعةِ بخارِ كذا وكذا عليهم لعائنُ اللهِ، وإذا ماتوا فسيعلمونَ هل هناك رَبٌّ مُدَبِّرٌ ملكُ السماواتِ والأرضِ هو المنزلُ للمطرِ، الخالقُ لكلِّ شيءٍ أو لَا؟ وهذا معنَى قولِه: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} {حَتَّى} هنا هي الابتدائيةُ التي تُذْكَرُ قبلَ الْجُمَلِ. و (أقلت) معناه: حَمَلَتْ «حتى إذا أقلت الرياح» أي: حَمَلَتْ: {سَحَابًا} أي: مُزْنًا مملوءةً بالماءِ.
{ثِقَالاً} السحابُ: جمعُ سحابةٍ أو اسمُ جمعٍ للسحابةِ.