كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

آية ١١] أي: تُخْرَجُونَ من قبورِكم أحياءً بَعْدَ الموتِ عندَ النفخةِ الثانيةِ، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: آية ٦٨] وقال جل وعلا: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)} [النازعات: آية ١٣ - ١٤] أي: على وجهِ الأرضِ أحياءً يمشونَ. وهذا معروفٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) يبعثُ الخلائقَ كُلَّهُمْ يومَ القيامةِ. وإحياءُ الأرضِ بعدَ موتِها دليلٌ على بعثِ الخلائقِ. وهذا معنَى قولِه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: آية ٥٧].
وقولُه: {سُقْنَاهُ} بصيغةِ التعظيمِ دليلٌ قاطعٌ على أن الموضعَ الذي يَأْتِيهِ المطرُ أن ما يأتيه بإرادةِ اللهِ - جل وعلا - وأنه هو الذي سَاقَ ذلك المطرَ محمولاً على الريحِ إلى ذلك البلدِ الْمُعَيَّنِ بحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه، لَا بطبيعةِ الريحِ، ولا بطبيعةِ البخارِ، ولا بطبيعةِ الهواءِ؛ لأن اللهَ (جل وعلا) هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والطبائعُ لا يؤثرُ منها إلا ما شاء اللهُ أن يؤثرَ. وقد أجمعَ أهلُ الحقِّ وأهلُ الباطلِ جميعًا - عن بكرةِ أبيهم - أن المؤثرَ من حيث هو مؤثرٌ لا يَعْدُو عن ثلاثةِ أشياء: مؤثرٌ بالاختيارِ، ومؤثرٌ بالطبيعةِ، ومؤثرٌ بالعلةِ (¬١).
والحقُّ من هذه المؤثراتِ واحدٌ، وهو المؤثرُ بالاختيارِ، وهو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) سبحانَه وحدَه، لَا يمكنُ أن يقعَ تأثيرٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا تسكينةٌ ولا تحريكةٌ إلا بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا) فالتأثيرُ بالاختيارِ هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي لا يمكنُ أن تقعَ تحريكةٌ ولا تسكينةٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا أَيِّ شيءٍ كائنًا ما كان إلا عن قدرتِه وإرادتِه
---------------
(¬١) انظر: الكليات ص٢٧٩، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٣٤٦ - ١٣٤٧.

الصفحة 425