كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
والسخاءِ والشجاعةِ والرضا بقضاءِ اللهِ، والإيثارِ وعدمِ الشُّحِّ، إلى غيرِ ذلك من خصالِ الإسلامِ الكريمةِ الجميلةِ.
{وَالَّذِي خَبُثَ} أي: والبلدُ الذي خَبُثَ كالبلدِ الذي يكونُ سَبِخًا خبيثًا لَا يخرجُ نباتُه ولو تَتَالَتْ عليه الأمطارُ: {إِلَاّ نَكِدًا} إلا في حالِ كونِه نَكِدًا عسيرَ الخروجِ لَا خيرَ فيه ولا منفعةَ فيه ألبتةَ، يخرجُ بِعُسْرٍ غايةَ العسرِ، ويخرجُ مَسْلُوبًا من الخيرِ والنفعِ.
وأصلُ النَّكِدِ في لغةِ العربِ: العسيرُ، لا يخرجُ إلا في حالِ كونِه نَكِدًا، أي: عسيرَ الخروجِ، مسلوبَ الفائدةِ، لَا يُنْتَفَعُ به في أَكْلِ الناسِ، ولَا أَكْلِ الأنعامِ؛ إِذْ لَا فائدةَ فيه، فكذلك قلبُ الكافرِ لَا يُثْمِرُ إلَاّ نكدًا عسيرًا، ثمرةً لَا فائدةَ فيها، كالأرضِ السبخةِ إذا كَثُرَتْ عليها الأمطارُ لَا يُثْمِرُ شيئًا فيه فائدةٌ.
وهذا المثلُ بَيَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ أبِي موسى الأشعريِّ المتفقِ عليه بيانًا واضحًا، وفيه: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى كَمَثَلِ غَيْثٍ كَثِيرٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءُ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُنْبِتُ كَلأً وَلَا تُمْسِكُ مَاءً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي الدِّينِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (¬١).
والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ الذي اتفقَ عليه مسلمٌ والبخاريُّ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (رضي الله عنه) بَيَّنَ أن
---------------
(¬١) البخاري في العلم، باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم. حديث رقم (٧٩)، (١/ ١٧٥). ومسلم في الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم. حديث رقم (٢٢٨٢)، (٤/ ١٧٨٧).