كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
قلوبَ البشرِ بالنسبةِ إلى أمطارِ القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ: قلبٌ كالأرضِ الطيبةِ إذا نزلت عليه أمطارُ القرآنِ أَنْبَتَ العشبَ والكلأَ الكثيرَ، معناه: أنه يثمرُ فيه القرآنُ ومواعظُه فيجمعُ بينَ العلمِ به والعملِ، فيتعلمُ معانيه، ويفهمُ حِكمَه، ويعملُ بها، وَيُعَلِّمُهَا غيرَه. وفي حديثِ البخاريِّ من حديثِ عثمانَ بنِ عفانَ (رضي الله عنه): «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وفي روايةٍ في صحيحِ البخاريِّ: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (¬١) فهذه هي الطائفةُ الأُولَى من الطوائفِ الثلاثةِ التي شَبَّهَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه - بالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للماءِ الْمُنْبِتَةِ للكلأِ والعشبِ الكثيرِ، فكذلك القلوبُ الطيبةُ تُثْمِرُ فيها مواعظُ القرآنِ الثمراتِ الكثيرةَ الطيبةَ، فترى صاحبَها خائفًا من اللهِ، طَامِعًا في فَضْلِ اللهِ، مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَبَاعِدًا عن معاصِي اللهِ، مُمْتَثِلاً جميعَ الأوامرِ، مُتَبَاعِدًا عن انتهاكِ شيءٍ من النواهِي، فهذه الطائفةُ الأُولَى.
الطائفةُ الثانيةُ: ضَرَبَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه مَثَلاً بأنها كأنها أجادبُ ليس فيها مَرْعًى ولكن فيها منافعُ تمسكُ الماءَ فيسيلُ الماءُ ويحبسُ فيها فتكونُ مجتمعةً فيها مياهٌ كثيرةٌ، ثم هذه المياهُ ينفعُ اللَّهُ بها خلقَه: منهم مَنْ يأتي فيشربُ، ومنهم مَنْ يسقِي مواشيَه من هذا الماءِ، ومنهم مَنْ يُسَلِّطُهُ على زروعِه وبساتينِه فينتفعُ بهذا الماءِ. وهذه الطائفةُ هي التي حَفِظَتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العلمَ الذي جاء به من القرآنِ والحديثِ الصحيحِ، ولم يكن عندهم من قوةِ الفهمِ ما يتفهمونَ في معانيه ويطلعونَ على أسرارِه وَحِكَمِهِ،
---------------
(¬١) البخاري في فضائل القرآن. باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. حديث رقم (٥٠٢٨)، (٩/ ٧٤)، وذكر اللفظ الآخر قبله برقم (٥٠٢٧).