كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: آية ٢٦] هذه أمثالُ القرآنِ يهدي اللَّهُ بها من يريد هُدَاهُ، وما يضلُّ بها إلا الفاسقينَ. ولما سمعَ الكفارُ أن اللهَ يضربُ المثلَ بالكلبِ في قولِه: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: آية ١٧٦] ويضرب المثلَ بالحمارِ في قولِه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: آية ٥] ويضربُ المثلَ بالذبابِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: آية ٧٣] وسمعوه يضربُ المثلَ بهذه الأشياءِ قالوا: اللهُ أعظمُ وأكبرُ وَأَنْزَهُ من أن يذكرَ الحمارَ والكلبَ والذبابَ والعنكبوتَ! فهذا الكلامُ الذي فيه هذه الحقيراتُ ليس من كلامِ اللهِ؛ لأن اللهَ أعظمُ من هذا.
فَبَيَّنَ اللهُ أنه يضربُ الأمثالَ وَيُبَيِّنُ العلومَ العظيمةَ الجليلةَ في ضَرْبِ الأمثالِ في أمورٍ حقيرةٍ؛ وَلِذَا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} فترى الذبابَ من أحقرِ الأشياءِ ولكن المثلَ المضروبَ فيه من أعظمِ العلومِ؛ يُبَيِّنُ للناسِ أن المعبوداتِ من دونِ اللهِ بالغةٌ من التفاهةِ وعدمِ الفائدةِ ما يجعلُها لَا تقدرُ على خلقِ ذُبَابٍ، وَلَوْ تَسَلَّطَ الذبابُ عليها فانتزعَ منها شيئًا ما قَدَرَتْ على أن تنتصفَ منه. وهذا من التحقيرِ والتصغيرِ للمعبودِ من دونِ اللهِ يقتضي عِلْمًا عظيمًا له قَدْرُهُ ومكانتُه، وهو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وإدراكُ أن ما سواه لا يُغْنِي شيئًا. وكذلك ضربُه المثلَ في العنكبوتِ لأنه يُبَيِّنُ أن بيتَ العنكبوتِ الذي تنسجه من خيوطِ رِيقِهَا لا يُغْنِي شيئًا عن أحدٍ، فكذلك المعبوداتُ من دونِ اللهِ. فالشيءُ في نفسِه حقيرٌ، والعلمُ المبينُ في ضربِ المثلِ فيه علمٌ عظيمٌ كريمٌ له مكانتُه وَقَدْرُهُ؛ ولذا قال تعالى:

الصفحة 436