كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا}.
وبهذه الآياتِ وهذه الأمثالِ التي ذَكَرْنَا يجبُ على المسلمِ أن يخافَ من سَخَطِ اللَّهِ وأن يكونَ قلبُه كالأرضِ السبخةِ التي لَا تنتفعَ بمواعظِ القرآنِ ولَا بزواجرِه، ويسألُ اللهَ أن يجعلَ أرضَ قلبِه طيبةً قابلةً لمواعظِ القرآنِ وزواجرِه وأوامرِه ونواهيه؛ فإن مَنْ كانت أرضُ قلبِه طيبةً انتفعَ بمواعظِ هذا القرآنِ، وَنَفَعَتْهُ أوامرُه فَامْتَثَلَهَا، وزواجرُه فَاجْتَنَبَهَا، وأمثاله فَاعْتَبَرَ بها، وقصصَه فاعتبر بها.
فَعَلَيْنَا جميعًا أن نسألَ اللهَ أن لا يجعلَ قلوبَنا كالأرضِ السبخةِ التي لا تنتفعُ بما ينزلُ عليها من أمطارِ الوحيِ، وأن يجعلَ أرضَ قلوبِنا كالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للإثمارِ وإنباتِ العشبِ والكلأِ الكثيرِ والتأثرِ بآياتِ اللهِ (جل وعلا) لتثمرَ الخيرَ كُلَّهُ من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أَمْرِهِ واجتنابِ نَهْيِهِ. وهذا معنَى قولِه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا} [الأعراف: آية ٥٨].
{كَذَلِكَ} التصريفُ. التصريفُ: قَلْبُ الشيءِ من حالٍ إلى حالٍ. واللهُ يبينُ لنا المواعظَ موعظةً بعدَ موعظةٍ، والآياتِ آيةً بعدَ آيةٍ في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ. كذلك التصريفُ الذي صَرَّفْنَا لكم فيه هذه الآياتِ، وَبَيَّنَّا لكم ما يلزمُ، وَبَيَّنَّا لكم عِظَمَ قدرتِنا، وأدلةَ رُبُوبِيَّتِنَا وألوهيتِنا، وَضَرَبْنَا لكمُ الأمثالَ في مَنْ ينفعُ فيه ذلك وَمَنْ لَا ينفعُ فيه، كذلك التصريفُ الموضحُ للآياتِ جملةً بعدَ جملةٍ، وآيةً بعدَ آيةٍ، كذلك التصريفُ {نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نأتِي بها على أنحاء مختلفةٍ، في أساليبَ مختلفةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يهدي بذلك مَنْ يشاءُ.
وقولُه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية ٥٨] خَصَّ القومَ الذين يشكرونَ لأنهم هم المنتفعونَ بالآياتِ. كقولِه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ

الصفحة 437