كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية ٤٥] لأَنَّ مَنْ يخافُ الوعيدَ هو المنتفعُ به، كقولِه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)} [النازعات: آية ٤٥] {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: آية ١١] {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} [فاطر: آية ١٨] وما جَرَى مَجْرَى ذلك (¬١).
وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬٢) أن لفظةَ (القومِ) أنه اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لَفْظِهِ، وأنه يُطْلَقُ على خصوصِ الذكورِ بالوضعِ العربيِّ، وربما دَخَلَتْ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ، وَبَيَّنَّا أن الدليلَ على اختصاصِ لفظِ (القومِ) بالذكورِ قولُه تعالى في الحجراتِ: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات: آية ١١] ثم عطفَ النساءَ على القومِ فقالَ: {وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية ١١] فَدَلَّ على عدمِ دخولِ النساءِ في القومِ بحسبِ الوضعِ العربيِّ، وَدَلَّ عليه أيضًا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سلمى (¬٣):
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ
فَعَطَفَ النساءَ على القومِ، فَدَلَّ على أنهن غيرُ داخلاتٍ في اسمِ القومِ وَضْعًا؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ التكرارِ، وعدمُ عطفِ الشيءِ على ما هو أعمُّ منه أو أخصُّ إلا بدليلٍ. والدليلُ على دخولِ الإناثِ في القومِ بِحُكْمِ التبعِ قولُه تعالى في بلقيسَ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: آية ٤٣] فَصَرَّحَ بأنها من قومٍ كَافِرِينَ. أَدْخَلَهَا في اسمِ القومِ تَبَعًا.
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من هذه السورة.
(¬٣) السابق.