كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
وقولُه: {يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية ٥٨] مفعولُه محذوفٌ، أي: يشكرونَ لله نِعَمَهُ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن مِنْ أعظمِ إنعامِ اللهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ وتصريفُ الآياتِ فيه وَبَيَانُهَا للناسِ؛ لأن أعظمَ النعمِ هو إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ وبيانُ ما فيه من الآياتِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ، ومما يستجلبُ المعاطبَ والمخاوفَ، ومما يستجلبُ السلامةَ؛ وَلِذَا بَيَّنَ اللَّهُ أن إنزالَه فضلٌ كبيرٌ على الخلقِ لَمَّا قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وقسَّمهم فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وَبَيَّنَ أن إنزالَ القرآنِ العظيمِ أكبرُ فَضْلٍ، قال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: آية ٣٢] أي: الفضلُ الكبيرُ من اللهِ عليهم حيثُ أَنْزَلَ لهم كتابَه يُتْلَى، مَحْفُوظًا، يُبَيِّنُ لهم ما يُقَرِّبُهُمْ إلى رَبِّهِمْ، وما يُبْعِدُهُمْ من النارِ، وما يهذبُ نفوسَهم ويربِّي أرواحَهم، ويرفعُ أخلاقَهم، وَيُبَيِّنُ لهم مكارمَ الأخلاقِ، إلى غيرِ ذلك؛ وَلِذَا قال هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} فَبَيَّنَ أن تفصيلَ الآياتِ لإيضاحِها في هذا القرآنِ نعمةٌ عُظْمَى من اللَّهِ يستحقُّ أن يُشْكَرَ عليها؛ وَلِذَا عَلَّمَ خَلْقَهُ أن يحمدوه على هذه النعمةِ العظمى التي هي إنزالُ القرآنِ، قال في أولِ الكهفِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١)} [الكهف: آية ١] فقولُه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن يحمدوه أعظمَ الحمدِ على هذه النعمةِ العظمى الكبرى التي هي إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ، وأشارَ لذلك بقولِه هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.
وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬١) أن أصلَ الشكرِ في لغةِ العربِ رُبَّمَا يُرَادُ به: الظهورُ، وَلِذَا تُسَمِّي العربُ الغصنَ الذي يَنْبُتُ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.