كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
فهو من أقلِّ الناسِ حياءً وَأَلأَمِهِمْ وَأَخَسِّهِمْ، وكيف يجملُ بعبدٍ مسكينٍ ضعيفٍ أن يُنْعِمَ عليه خالقُ السماواتِ والأرضِ نِعَمَهُ الكثيرةَ بفضلِه ورحمتِه ثم يستعينُ بِنِعَمِ خالقِه على معصيةِ خالقِه وما يُسْخِطُ خالقَه، فهذا أقبحُ اللؤمِ وأخسُّه، وصاحبُه أقلُّ الناسِ حياءً وأشدُّهم وقاحةً.
وَبَيَّنَّا أن (¬١) مادةَ (شكر) في لغةِ العربِ أنها تتعدى إلى النعمةِ بنفسِها بدونِ حرفِ الجرِّ. تقولُ: شكرتُ نعمةَ اللهِ. وهذا أمرٌ لا خلافَ فيه. ومنه قولُه: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية ١٩] فإذا كان الشكرُ شكرَ نعمةٍ تَعَدَّى إليه الفعلُ بنفسِه بِلَا خلافٍ. أما شكرُ المنعمِ فاللغةُ الفصحى التي نَزَلَ به القرآنُ أن يُعَدَّى الشكرُ إلى المنعمِ باللامِ فتقولُ: «شُكْرًا لك». وتقولُ: «أنا أشكرُ لَكَ» ولَا تقول: «أنا أَشْكُرُكَ». وتقول: «نحمدُ اللهَ ونشكرُ له» ولا تقول: «ونشكره». وهذه هي اللغةُ الفصحى، تعديتُه باللامِ هي اللغةُ الفصحى التي لا شكَّ في أنها أفصحُ، وهي لغةُ القرآنِ؛ لأنه ما جاء في القرآنِ مُعَدًّى إلى المنعمِ إلا باللامِ، كقولِه: {أَنِ اشْكُرْ لِي} [لقمان: آية ١٤] {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية ١٥٢] {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية ١٤] ولم يَقُلْ في آيةٍ واحدةٍ: اشكرني. بتعديةِ الفعلِ إلى المفعولِ دونَ اللامِ. ومن هنا شَذَّ قومٌ من علماءِ العربيةِ فقالوا: (أحمدُه وأشكرُه) لَحْنٌ، ولا يجوزُ (وأشكره) وإنما يجوزُ: (وأشكر له) ولكنهم غلطوا؛ لأن اللغةَ الفصحى هي (وأشكر له) ولكن (وأشكره) بتعديةِ الفعلِ إلى المنعمِ بلَا واسطةِ حرفِ جرٍّ لغةٌ معروفةٌ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.