كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
شواهدَها. ومن شواهدِها قولُ أبي نخيلةَ (¬١):
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
فهذا الشاعرُ الفصيحُ. قال: «شكرتُك» بالكافِ ولم يَقُلْ: «شكرتُ لك» ومنه قولُ جميلِ بنِ معمرٍ في شعرِه المشهورِ (¬٢):
خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا ... عَلَى عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ ...
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً ... شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي
فقال: «شكرتُكما» ولم يَقُلْ: «شكرتُ لكما» فَتَبَيَّنَ من هذا أن مادةَ (شكر) تَتَعَدَّى إلى النعمةِ مفعولاً بنفسها، وإلى المنعمِ باللامِ في اللغةِ الفصحى، وربما تَعَدَّتْ إلى المنعمِ بنفسِها بدونِ حرفِ جَرٍّ. وهذا معنَى قولِه: {نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية ١٥٨].
والتفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ (¬٣)، أي: نَأْتِي بها مفصلةً مفصلةً، آيةً بعدَ آيةٍ، وموعظةً بعدَ موعظةٍ، في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ.
{لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نِعَمَنَا في ذلك البيانِ؛ لأَنَّ بيانَ اللهِ فيما ينفعُ وما يضرُّ من أعظمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ على خَلْقِهِ. وهذا معنَى قولِه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.
(¬٣) قرأ الشيخ (رحمه الله) الآية: (نفصل) وهي: (نصرف) ثم فسرها بناء على ذلك.
الصفحة 442