كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)}.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)} [الأعراف: آية ٥٩] قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا الكسائيَّ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهِ} وَقَرَأَ الكسائيُّ من السبعةِ: {ما لكم من إلهٍ غَيْرهِ} (¬١).
وقرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: {إنيَ أخاف عليكم} بفتحِ ياءِ المتكلمِ. وقرأَ الباقونَ: ... {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} بإسكانِ الياءِ (¬٢). والجميعُ لغةٌ.
أما قراءةُ الكسائيِّ: {ما لكم من إله غَيْرِه} فـ (غَيْرِه) نعتٌ للإلهِ وهو مجرورٌ بـ (من). وأما على قراءةِ الجمهورِ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} فالنعتُ راجعٌ للمحلِّ؛ لأَنَّ الأصلَ: (ما لكم إله غيره) فَجُرَّ المبتدأُ بـ (من) لتوكيدِ النفيِ، فهو مخفوضٌ لفظًا مرفوعٌ مَحَلاًّ، والتابعُ للمخفوضِ لفظًا المرفوعُ محلاًّ يجوزُ رفعُه نظرًا إلى المحلِّ، وخفضُه نَظَرًا إلى اللفظِ كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ (¬٣).
واللامُ في قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} هي جوابُ قسمٍ محذوفٍ: واللهِ لقد أرسلنا. وهذه اللامُ الموطئةُ للقسمِ إذا جاءت مع الفعلِ الماضِي لا تكادُ العربُ تُجَرِّدُهَا من (قد)، تأتِي معها بـ (قد) التحقيقيةِ دائمًا، حتى زَعَمَ بعضُ العلماءِ أن (قد) واجبةٌ معها إن كانت بعدَ اللامِ
---------------
(¬١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠.
(¬٢) المصدر السابق ص٢١٩، الإتحاف (٢/ ٥٣).
(¬٣) انظر: حجة القراءات ص٢٨٦، الإتحاف (٢/ ٥٢).
الصفحة 443