كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

الموطئةِ للقسمِ قبلَ فعلٍ مَاضٍ. والتحقيقُ أنه لغةٌ فصحى كثيرةٌ ربما نَطَقَتِ العربُ بغيرِها فجاءت باللامِ والماضي دونَ (قد)، وهو مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيس (¬١):
حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلفْةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِي

ولم يقل: لقد ناموا.
واللهِ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {نُوحًا} هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ. والمؤرخونَ يقولونَ: إنه ابن لمك بن متوشَلَخ بن خنوخ، ويزعمونَ أن خنوخَ هو إدريسُ، وأن نوحًا من ذريةِ إدريسَ. هكذا ذَكَرَهُ غيرُ واحدٍ من المفسرين (¬٢). وأن إدريسَ قَبْلَ نوحٍ، وجاء في بعضِ رواياتِ حديثِ الإسراءِ ما يدلُّ على أن نوحًا ليس من ذريةِ إدريسَ، لأنه إذا سَلَّمَ على أجدادِه كإبراهيمَ ونوحٍ وَمَنْ جرى مجرَاهم يقولونَ: مَرْحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الكريمِ. وإدريسُ لم يَقُلْ مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ، وإنما قال: والأخِ. كما جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ المعراجِ (¬٣) كما هو معروفٌ، وأكثرُ المؤرخين على هذا.
ونوحٌ هو أولُ نَبِيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ بعدَ أن صارَ الكفرُ في الأرضِ، وَعُبِدَتْ فيها الأصنامُ، وَعُبِدَ فيها غيرُ اللهِ. فأولُ رسولٍ أُرْسِلَ بمنعِ عبادةِ الأصنامِ وتوحيدِ اللهِ بعبادتِه هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ، وقد ثَبَتَ في أحاديثِ الشفاعةِ التي تكادُ
---------------
(¬١) البيت في ديوانه ص١٢٥، و «الصالي»: المستدفئ بالنار.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأنعام.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (١٦١) من سورة الأنعام.

الصفحة 444