كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
في العبادةِ بما كانوا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ الذين صَوَّرُوا صُوَرَهُمْ، ثم تطاولَ بهم الزمانُ إلى أن كَانَتْ تلك الصورُ أوثانًا تُعْبَدُ من دونِ اللهِ؛ ولذا عَارَضُوا نبيَّ اللهِ نوحًا في عبادتهم أشدَّ المعارضةِ: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: الآيتان ٢٣، ٢٤] فَعُلِمَ أن التصويرَ كان أولَ جنايةٍ شركيةٍ وَقَعَتْ في الدنيا. وهذا الأثرُ السيئُ التاريخيُّ يدلُّ على عِظَمِ شَرِّهِ قَبَّحَهُ اللهُ.
وكذلك في الآخِرِ كان من أعظمِ الأسبابِ التي ضَيَّعَتْ أخلاقَ المسلمين وَذَهَبَتْ بعقولهم ومكارمهم؛ لأن الذين يريدونَ ضياعَ الإسلامِ يَسْعَوْنَ كُلَّ السعيِ في أن يُصوروا النساءَ عارياتِ الفروجِ، ويطبعونَ صُوَرَهَا في الصحفِ والمجلاتِ، ويرسلونَها لأقطارِ الدنيا. فإذا رأى الشابُّ الغِرُّ المسكينُ صورةَ فرجِ الخبيثةِ بَادِيًا تَحَرَّكَتْ غريزتُه، وقامت شهوتُه، وَسَافَرَ إلى البلادِ التي تُمْكِنُهُ فيها الحريةَ وإشباعَ رغبتِه الغريزيةِ التي لم يُقَيِّدْهَا تقوى، ولم يَزُمَّهَا إيمانٌ ولا ورعٌ ولا مروءةٌ. فصارَ التصويرُ في الأحوالِ الراهنةِ له أيضًا أثرُه البالغُ في ضياعِ الأخلاقِ، وانتشارِ الرذيلةِ، والقضاءِ على مكارمِ الأخلاقِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - ويكفيه أن الله (جل وعلا) له الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ العلى، ومن أسمائِه العظيمةِ التي تَحْتَهَا غرائبُ وعجائبُ تُفَتِّتُ الأكبادَ: اسمُه (المصورُ) جل وعلا، فهو جل وعلا من أسمائِه الأزليةِ التي سَمَّى بها نفسَه (المصور) واسمُه (المصور) تحتَه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه ما يُبْهِرُ العقولَ لِمَنْ كان له عقلٌ أو أَلْقَى السمعَ وهو شهيدٌ، ومما يوضحُ عظمةَ هذا الاسمِ وما يشيرُ إليه من كمالِ قدرةِ اللَّهِ وَعِظَمِ عِلْمِهِ وإحاطتِه بكلِّ شيءٍ أن ينظرَ