كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

باديةَ الفرجِ، فلا شكَّ أن الشبابَّ الذي ليس عقلُه مَزْمُومًا بإيمانٍ كاملٍ، وورعٍ ومروءةٍ تَامَّةٍ أن ذلك يُحَرِّكُ غريزتَه ويهيجُ طبيعتَه، فتراهم كثيرًا يسافرونَ باسمِ العلاجِ، وباسمِ كذا وكذا من الأعذارِ الكاذبةِ، وإنما مقصدُهم في الحقيقةِ هو أن يُشْبِعُوا رغباتِهم الغريزيةَ مما عَايَنُوا مُنْتَشِرًا من الفسادِ في قعرِ بلادِهم نعوذُ بالله من ذلك، وهذا معنَى قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية ٥٩].
ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أن قومَ نوحٍ كانوا خَلْقًا كثيرًا مُنْتَشِرِينَ في أقطارِ الدنيا. وبعضُهم يقولُ: إنهم كانوا في بعضِ الأرضِ دونَ بعضِها. ولم يَقُمْ دليلٌ صحيحٌ على عددِهم وكثرتِهم، وهل كانوا يشغلونَ جميعَ نواحِي المعمورةِ أو بعضًا منها؟ ولم يَأْتِ مَنْ هُمْ. واللهُ في القرآنِ لم يُسَمِّهِمْ إلا بقومِ نوحٍ. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} يعنِي: بعدَ أن عَبَدُوا الأصنامَ، وَعَبَدُوا صورَ أولئك الصالحينَ: وَدًّا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، وبعدَ أن فَعَلُوا ذلك أَرْسَلَ اللهُ إليهم نبيَّه نوحًا ليتركوا عبادةَ الأصنامِ ويعبدُوا اللهَ وحدَه، فقال لهم نوحٌ: {يَا قَوْمِ} [الأعراف: آية ٥٩] حَذَفَ ياءَ المتكلمِ، والأصلُ: (يا قومي) والمنادَى المضافُ إلى ياءِ المتكلمِ أصلُه فيه الخمسُ اللغاتِ المعروفةِ (¬١) منها حذفُ ياءِ المتكلمِ.
{اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: آية ٥٩] أصلُ العبادةِ في لغةِ العربِ (¬٢): الذلُّ والخضوعُ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ تُسَمِّيهِ (عابدًا) وَكُلُّ ما خُضِّعَ وَذُلِّلَ فَقَدْ عُبِّدَ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في مُعَلَّقَتِهِ (¬٣):
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(¬٢) انظر: المفردات (مادة: عبد) ص٥٤٢.
(¬٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ٦٠).
وقوله: «تباري» أي: تعارض. والعتاق: الكرام. والناجيات: السريعات. والوظيف: عظم الساق. والمور: الطريق. والمعَبَّد: المذلَّل.

الصفحة 448