كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

أي: وعبادتك. فالإلهُ معناه المعبودُ الذي يعبدُه خَلْقُهُ بِذُلٍّ وخضوعٍ ومحبةٍ إليه (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا أن إتيانَ (الفِعَالِ) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في اللغةِ وليس بِمُطَّرِدٍ، ومنه: (إله) بمعنَى: مألوه، و (كتاب) بمعنَى: مكتوبٍ، و (لباس) بمعنَى: ملبوس، و (إمام) بمعنَى: مُؤْتَمٍّ به، في أوزانٍ معروفةٍ، وهذا معنَى: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (¬١).
{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية ٥٩] {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تُفْرِدُوا رَبَّكُمْ بالعبادةِ وَتُخْلِصُوا له بالعبادةِ وتتركوا عبادةَ الأوثانِ: {أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن متم على ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو [يومُ القيامةِ، يعنى] (¬٢) أن مَنْ مات يعبدُ غيرَ اللهِ لَقِيَهُ العذابُ العظيمُ. والعظيمُ هنا نعتٌ لليومِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أنه نعتٌ للعذابِ جُرَّ بالمجاورةِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن تُنَوِّهَ بالأيامِ وتُشنِّعَهَا مع أنها ظروفٌ وأزمانٌ نَظَرًا لِمَا يَقَعُ فيها. يقولونَ: يومٌ ذُو كواكبَ، يومٌ أشنعُ، يومٌ عصيبٌ. ومنه قولُ نَبِيِّ اللهِ لوطٍ: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية ٧٧] ونظيرُه قولُ الشاعرِ (¬٣):
وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وقَدْ سَلَكوُكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ
ومنه قولُه تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: آية ١٧ - ١٨] فاليومُ (¬٤) تُذَكِّرُهُ العربُ وتُهوِّلُ شأنَه نَظَرًا لِمَا يقعُ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(¬٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(¬٤) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.

الصفحة 451