كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

فيه، أما نفسُ اليومِ في حَدِّ ذاتِه فهو ظرفٌ من الظروفِ، وإنما المرادُ تهويلُه بما يقعُ فيه. وهذا معنَى: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية ٥٩] والآيةُ لها صُورَتَانِ: إن كان مقصودُه أنه يخافُ عليهم عذابَ يومٍ عظيمٍ في دارِ الدنيا وقتَ طَمَعِهِ في إيمانِهم فلَا إشكالَ في الآيةِ. ومعنَى خوفِه عليهم: أنه يخافُ ألا يتوبوا فيموتوا كافرين. فيكونُ الخوفُ في موقعِه، وهو أنهم في دارِ الدنيا يحتملُ أن يؤمنوا فلا يُعذبوا، ويُخاف أن يتمادوا على الكفرِ حتى يَمُوتُوا فيعذبوا. فيكونُ الخوفُ في موقعِه. وعلى قولِ مَنْ يقول: أخافُ عليكم العذابَ إن متم على الكفرِ فيتعينُ أن تُحمل (أخافُ) بمعنَى أعلمُ؛ لأن نوحًا عَالِمٌ كُلَّ العلمِ بأنهم إن ماتوا كُفَّارًا عُذِّبوا عذابًا عظيمًا لَا شَكَّ فيه. والعربُ تُطْلِقُ الخوفَ وتريدُ به العلمَ كما هو معروفٌ في لغتِها.
وقال بعضُ العلماءِ: منه قولُه: {إِلَاّ أَنْ يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: آية ٢٢٩] قالوا: معناه: إلا أن يَعْلَمَا {فَإِنْ خِفْتُمْ}: فإن عَلِمْتُمْ. وقد ذَكَرْنَا مرارًا أن مِنْ شَوَاهِدِ إتيانِ الخوفِ بمعنَى العلمِ قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في أبياتِه المشهورةِ (¬١):
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمةٍ ... تُروِّي عِظَامِي بِالْمَمَاتِ عُرُوقُهَا ...
وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مُتُّ أَلَاّ أَذُوقَهَا

وهو يعلمُ عِلْمًا يقينًا أنه إذا ماتَ ليس شاربًا للخمرِ بعدَ موتِه كما لَا يَخْفَى. وهذا معنَى قولِه: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.

الصفحة 452