كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ

يعنِي: لَظَهَرَ من آثارِ النملِ على جِلْدِهَا ورمٌ لرقةِ بَشْرَتِهَا. ومنه قولُ جريرٍ (¬١):
إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ

أَيْ: ظهرَ المقرفات من العراب.
الوجهُ الثاني: تستعملُ (أبان) اسم فاعلِ (أبان) المتعدية، أبانَه يُبِينُهُ. فاسمُ الفاعلِ (مبين) واسمُ المفعولِ (مُبان) كما هو معروفٌ. والظاهرُ أن هذه هنا من اللازمةِ.
ومعنَى: {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أي: في ضلالٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ، من (أبان) اللازمةِ.
قال نوحٌ مُجِيبًا لهم: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} [الأعراف: آية ٦١] هم قالوا: إنه في ضلالٍ كثيرٍ. وهو نَفَى أن تكونَ معَه ضلالةٌ فردٌ واحد، وإذا انتفى عنه فردٌ واحدٌ من أفرادِ الضلالةِ فانتفاءُ غيرِه أَنْفَى وَأَنْفَى: {لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} ولا حَيْدُودَةٌ عن طريقِ الحقِّ، بل أنا على حقٍّ وعلى طريقٍ مستقيمٍ، ولكنِّي غيرُ ضَالٍّ.
{وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية ٦١] أُرْسِلْتُ إليكم مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما ومدبرِ شؤونِ الجميعِ. وقد بَيَّنَ في الشعراءِ أن (العالمين) يشملُ السماءَ والأرضَ وَمَنْ فيهما وما بينَهما في قولِه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)} [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤].
---------------
(¬١) السابق.

الصفحة 454