كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا أبا عمرٍو: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} [الأعراف: آية ٦٢] بفتحِ الباءِ وتشديدِ اللامِ. وقرأَه أبو عمرو وحدَه: {أُبْلِغُكُمْ رسالات ربي} (¬١) الأُولَى: من التبليغِ، والثانية من الإبلاغِ (¬٢). وَسَمَّى رسالاتِه رسالات؛ لأنها في نواحٍ متعددةٍ (¬٣).
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} العربُ تقولُ: نَصَحَهُ وَنَصَحَ له، و (نصح له) أكثرُ. ومعناه: {أَنْصَحُ لَكُمْ} أَبْغِي لكم النصيحةَ خالصةً من شوائبِ الغشِّ جميعِه، بل إنما أُعْطِيكُمُ النصيحةَ صافيةً خالصةً من شائبةِ الغشِّ، أدعوكم إلى اللَّهِ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية ٦٢] أعلمُ من رَبِّي ما لا تعلمونَه، ومن جملةِ ذلك أنكم إن عصيتموني، وَمُتُّمْ على كفرِكم أنكم تَلْقَوْنَ العذابَ العظيمَ والإهانةَ الكبرى والخلودَ في دركاتِ النارِ، وأنكم إن أطعتموني دخلتُم الجنةَ وخلدتُم في نعيمِ اللهِ، وهذا معنَى قولِه: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: بوحيٍّ من الله جل وعلا.
---------------
(¬١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠.
(¬٢) انظر: حجة القراءات ص٢٨٦ - ٢٨٧.
(¬٣) في هذا الموضع وقع للشيخ (رحمه الله) وهم حيث ظن أنه تكلم على الآية رقم (٦٨) والتي فيها قول نبي الله هود (عليه الصلاة والسلام)؛ ولذا قال (رحمه الله) هنا: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} هذا قول نبي الله نوح، والذي فسرنا الآن قول نبي الله هود كما سيأتي في قصته» ا. هـ. والواقع أن كلام الشيخ (رحمه الله) في تفسير الآية على وجهه لم يقع فيه وَهْم في الحقيقة؛ ولذا لم نثبت استدراك الشيخ (رحمه الله) في الأصل وإنما اكتفينا بالتنبيه على ذلك في الحاشية. وانظر ما ذكره عند تفسير الآية (٦٥) من هذه السورة.

الصفحة 455