كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
المقامُ (¬١). وهذا هو الوجهُ المختارُ من الوَجْهَيْنِ، واعتمدَه ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه (¬٢):
وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ ... ....................................
وتقديرُ المحذوفِ: أكفرتُم وَكَذَّبْتُمُونِي وعجبتُم أيضًا من أن جاءَكم ذِكْرٌ من ربكم، أي: أكفرتُم وعجبتُم؟ إنكارٌ لكفرِهم، وإنكارٌ لعجبهم المعطوفِ عليه؛ لأن كل هذا ليس محلَّ استنكارٍ.
والعَجَبُ معروفٌ، وهو أن يستغربَ الإنسانُ الشيءَ ويستبعدَه كأنه ليس من المألوفِ وجودُ نظيرِه: {أَوَعَجِبْتُمْ} [الأعراف: آية ٦٣] أي: أَكَفَرْتُمْ وعجبتُم؟ أي: تعجبتُم واستغربتُم من {أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية ٦٣] أي: جاءكم ذِكْرٌ. أي: موعظةٌ. المرادُ بِالذِّكْرِ هنا: موعظةُ اللهِ التي أَنْزَلَهَا على نَبِيِّهِ نوحٍ من توحيدِ اللهِ الخالصِ وعبادتِه وحدَه (جل وعلا)، والوعظِ الذي يُلَيِّنُ القلوبَ، والزجرِ عن عبادةِ غيرِ اللهِ، فهذا الذكرُ الذي جاءَهم، (ذكر) أي: وعظٌ نازلٌ من الله.
{عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} [الأعراف: آية ٦٣] على لسانِ رجلٍ منكم بَعَثَهُ اللهُ فيكم نَبِيًّا، بعثَه اللهُ بهذا الوعظِ لأَجْلِ أن ينذرَكم. وقد قَدَّمْنَا أن (¬٣) (الإنذارَ) أنه الإعلامُ المقترنُ بتهديدٍ خاصةً. فكلُّ [إنذارٍ إعلامٌ وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا] (¬٤)، أي: لينذركم. أي ليخبرَكم برسالاتِ اللهِ، مبلغكم أوامرَه ونواهيَه، مُبَيِّنًا لكم أنكم إن لم تتقوه وتطيعوا
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(¬٢) السابق.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(¬٤) في الأصل: «فكل إعلام إنذار، وليس كل إنذار إعلامًا» وهو سبق لسان.