كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

فقولُه: (كُفُّوا الحروبَ لعلنا) أي: كُفُّوا الحروبَ لأَجْلِ أن نَكُفَّ. وهذا معنَى قولِه: {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} هذا الذِّكْرُ الذي أَنْزَلَهُ اللهُ عليكم على لسانِ رجلٍ منكم لا عجبَ فيه وإنما أنزل اللهُ هذا الذي تعجبتُم منه لصلاحِكم:
أولاً: لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ بإنذارِ هذا النبيِّ الكريمِ الذي هو مِنْكُمْ.
الثاني: {لِيُنذِرَكُمْ} يخوفكم عقابَ اللهِ، وتتقوا اللهَ، ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ برحمتِه الواسعةِ إذا أقلعتُم عن الكفرِ واتقيتُم اللهَ؛ لأن رحمةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ، ولكن الله بَيَّنَ من يكتب لهم رحمتَه في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: الآيتان ١٥٦، ١٥٧] هؤلاء هم الذين يكتب اللهُ لهم رحمتَه؛ ولذا قال نبيُّ اللهِ نوحٌ لقومِه: لا تعجبوا فهذا ليس مَحَلَّ عَجَبٍ، وهذا أمرٌ لا يُعْجَبُ منه؛ لأن اللهَ أَنْزَلَ عليكم ذِكْرًا على لسانِ رَجُلٍ منكم ليخوفَكم من اللهِ، من عبادةِ غيرِه؛ ولأجلِ أن تتقوا رَبَّكُمْ بما يعلمكم ويبلغكم عن الله؛ ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ إن أنتم فعلتُم ذلك. وهذا معنَى قوله: {لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ثم أعادَ الكلامَ فقال: {فَكَذَّبُوهُ} لأنه ذَكَرَ أولاً أنهم كَذَّبُوهُ تكذيبًا شنيعًا حيث قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية ٦٠] فَلَمَّا أعادَ عليهم الكلامَ، وَبَيَّنَ لهم أن بعثَه إليهم لا يُسْتَعْجَبُ منه، وأنه لصلاحِهم ليخوفَهم من معاصِي اللهِ، وليتقوا اللهَ فيرحمهم اللهُ عادوا إلى التكذيبِ.
وقال اللهُ هنا: {فَكَذَّبُوهُ} عادوا إلى تكذيبِهم الأولِ. والظاهرُ أنه قال: {فَكَذَّبُوهُ} ولم يَذْكُرْ شناعةَ قولهم لأنهم تَمَادَوْا على مثلِ قولِهم الأولِ من التكذيبِ: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}

الصفحة 460